بقلم ا. عاصم الخير *الحربوية السياسية: حين يفقد الموقف بوصلته*
إن أخطر ما تفرزه الحروب ليس الدمار المادي وحده، بل التشوهات التي تصيب القيم والسلوك العام.
ومن أخطر هذه التشوهات ما يمكن تسميته بـ"الحربوية السياسية"، وهي حالة انتهازية تجعل بعض الأفراد يبدلون مواقفهم ومبادئهم وفقاً لموازين القوة والمصلحة الآنية، لا وفقاً لقناعة فكرية أو رؤية وطنية.
ففي أجواء الاضطراب، يختلط الثابت بالمتغير، ويصعد إلى المشهد أشخاص يجيدون التكيف مع مراكز النفوذ أكثر من إجادة العمل الوطني الحقيقي، فيتحول الولاء من المبادئ إلى المصالح، ومن الوطن إلى المكاسب الشخصية.
تشخيص المرض
أولاً: ضعف التربية على القيم العامة
عندما ينشأ الفرد في بيئة لا تكافئ الصدق والثبات على المبدأ، يصبح تغيير المواقف أمراً عادياً بل ومطلوباً لتحقيق النجاح الشخصي.
ثانياً: انهيار القدوة
عندما يرى الشباب شخصيات عامة تنتقل بين المواقع السياسية المتناقضة دون تفسير أو مراجعة فكرية، تتراجع قيمة المبدأ ويُنظر إلى الانتهازية باعتبارها مهارة.
ثالثاً: غياب المساءلة المجتمعية
في المجتمعات الحية تُحاسَب الشخصيات العامة على تناقضاتها، أما عندما يغيب التقييم والمحاسبة فإن الذاكرة العامة تصبح قصيرة، ويستطيع المتلونون إعادة إنتاج أنفسهم مرات عديدة.
رابعاً: اقتصاد الحرب
الحروب تخلق شبكات مصالح جديدة، وتفتح أبواب الثراء السريع والنفوذ، فينجذب إليها بعض الباحثين عن المكاسب بغض النظر عن المواقف السابقة.
خامساً: ضعف المؤسسات
عندما تكون المؤسسات ضعيفة، يصبح النجاح مرتبطاً بالأشخاص لا بالقواعد، فيكثر التملق والتسلق ويقل الاعتماد على الكفاءة.
أعراض المرض
تبدل المواقف بصورة متكررة دون مبررات موضوعية.
تقديم المصالح الشخصية على المصلحة الوطنية.
البحث الدائم عن القرب من السلطة أياً كانت.
اختفاء النقد عند الحصول على المنصب.
استخدام الشعارات الوطنية لتحقيق مكاسب خاصة.
فقدان الثقة بين المواطن والنخب السياسية.
الآثار على السودان
هذه الظاهرة تؤدي إلى:
إضعاف الثقة في العمل العام.
إحباط الشباب من المشاركة الوطنية.
تآكل رأس المال الأخلاقي للمجتمع.
تعطيل بناء المؤسسات المستقرة.
تحويل السياسة من خدمة عامة إلى سوق للمصالح.
العلاج
1. إعادة الاعتبار لقيمة المبدأ
يجب أن يصبح الثبات على القيم فضيلة مجتمعية يُحتفى بها، لا سذاجة يُسخر منها.
2. تعزيز الشفافية
كل من يغير موقفه السياسي عليه أن يوضح للرأي العام أسباب ذلك التغيير بوضوح.
3. بناء مؤسسات قوية
كلما قويت المؤسسات ضعفت فرص المتسلقين والانتهازيين.
4. التربية الوطنية
إدخال مفاهيم النزاهة والمسؤولية العامة والمواطنة في المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية.
5. تفعيل الرقابة المجتمعية
المجتمع والإعلام ومنظمات المجتمع المدني مطالبون بتوثيق المواقف ومحاسبة الشخصيات العامة أخلاقياً وسياسياً.
6. تقديم الكفاءة على الولاء
ينبغي أن تكون الوظائف والمناصب قائمة على الكفاءة والخبرة لا على العلاقات والولاءات المؤقتة.
خاتمة :
إن السودان لا يعاني فقط من أزمة حرب أو اقتصاد أو سياسة، بل يواجه أيضاً معركة قيم وأخلاق عامة.
فالأوطان لا تبنى بالسلاح وحده، ولا تسقط بالحروب وحدها، وإنما تنهض حين يصبح المبدأ أقوى من المصلحة، والواجب الوطني أعلى من المكسب الشخصي.
وعندما يستعيد السودانيون احترامهم للثبات على القيم، ويجعلون النزاهة معياراً للتقدم في العمل العام، سيتراجع نفوذ المتسلقين، ويعود للمشهد الوطني عموده الفقري الذي لا تستقيم الأمم بدونه.
مشاركة الخبر علي :