بقلم د.سعاد فقيري *الجنيه السوداني الذي لزم السرير الأبيض.. خطة إنعاش وعلاج اقتصادي*
مقدمة :
يمكن تشبيه الجنيه السوداني اليوم بمريض يرقد على السرير الأبيض في غرفة العناية المكثفة، فقد أنهكته الحرب، وتراجعت موارده، وازدادت الضغوط عليه من كل جانب.
لكن كما أن لكل مرض علاجاً إذا توفرت الإرادة والتشخيص الصحيح، فإن الجنيه السوداني يمكن أن يستعيد عافيته عبر برنامج وطني متكامل يجمع بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار الأمني والإنتاج الحقيقي.
أولاً: التشخيص الصحيح للمرض
يعاني الجنيه السوداني من عدة مشكلات رئيسية:
تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بسبب الحرب.
انخفاض الصادرات وفقدان جزء كبير من موارد النقد الأجنبي.
توسع السوق الموازي للعملات الأجنبية.
ضعف الثقة في الجهاز المصرفي.
زيادة الإنفاق الحكومي مقابل ضعف الإيرادات.
تهريب الذهب والموارد الطبيعية.
تراجع التحويلات الرسمية من السودانيين بالخارج.
ثانياً: الإسعافات الأولية العاجلة
1. وقف النزيف الأمني
لا يمكن لأي عملة أن تتعافى في ظل الحرب. لذلك فإن استعادة الأمن وحماية المرافق الاقتصادية والطرق ومناطق الإنتاج تمثل الخطوة الأولى لإنقاذ الجنيه.
2. توحيد سعر الصرف
تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي عبر سياسات واقعية ومرنة، مما يعيد الثقة للمتعاملين ويحد من المضاربات.
3. مكافحة المضاربة والتهريب
تشديد الرقابة على تجارة العملات غير القانونية.
محاربة تهريب الذهب والثروات المعدنية.
تطوير أنظمة تتبع الصادرات والواردات.
ثالثاً: برنامج العلاج المتوسط
1. إعادة تشغيل عجلة الإنتاج
القطاع الزراعي
تأهيل مشروع الجزيرة والمشروعات المروية.
دعم المزارعين بالتمويل والمدخلات.
توجيه الإنتاج نحو المحاصيل التصديرية.
القطاع الصناعي
إعادة تشغيل المصانع المتوقفة.
منح إعفاءات ضريبية للصناعات الوطنية.
تشجيع الصناعات التحويلية المرتبطة بالزراعة.
2. الذهب في خدمة الاقتصاد
بدلاً من تهريبه:
إنشاء بورصة سودانية للذهب.
شراء الذهب عبر البنك المركزي بأسعار مجزية.
تخصيص جزء من عائدات الذهب لدعم احتياطي النقد الأجنبي.
3. جذب تحويلات المغتربين
السودانيون بالخارج يمثلون أكبر مصدر محتمل للعملات الأجنبية.
ويتم ذلك عبر:
تقديم أسعار صرف مجزية.
تسهيل التحويلات الرقمية.
منح حوافز استثمارية للمغتربين.
إصدار سندات وصكوك للمغتربين لإعادة الإعمار.
رابعاً: العلاج طويل المدى
1. بناء اقتصاد إنتاجي
الاقتصاد القائم على الاستيراد لا يستطيع حماية العملة الوطنية.
لذلك يجب التركيز على:
الزراعة.
التعدين.
الثروة الحيوانية.
الصناعات التحويلية.
الاقتصاد الرقمي.
2. إصلاح النظام المصرفي
تحديث البنوك.
توسيع خدمات الدفع الإلكتروني.
استعادة الثقة في الجهاز المصرفي.
تقليل الاعتماد على النقد الورقي.
3. تأسيس صندوق سيادي سوداني
تودع فيه نسبة من عائدات الذهب والنفط والموارد الطبيعية ليكون ضمانة للأجيال القادمة وداعماً للاستقرار النقدي.
خامساً: دور السودانيين بالخارج
يمكن للجاليات السودانية أن تصبح شريكاً أساسياً في إنعاش الجنيه من خلال:
تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية.
الاستثمار في المشروعات الإنتاجية.
المساهمة في برامج إعادة الإعمار.
نقل الخبرات والتقنيات الحديثة إلى الداخل.
روشتة الإنعاش النهائية
إذا أردنا أن يغادر الجنيه السوداني "السرير الأبيض" فعلى الدولة أن تطبق الوصفة التالية:
الأمن والاستقرار أولاً.
زيادة الإنتاج والصادرات.
وقف تهريب الذهب.
إصلاح الجهاز المصرفي.
جذب تحويلات المغتربين.
ترشيد الإنفاق الحكومي.
محاربة الفساد المالي والإداري.
دعم الاستثمار الوطني والأجنبي.
تعزيز الثقة في المؤسسات الاقتصادية.
إطلاق مشروع وطني لإعادة الإعمار والتنمية.
الخاتمة:
الجنيه السوداني ليس مريضاً بمرض عضال، لكنه يعاني من آثار حرب طويلة واختلالات اقتصادية متراكمة. ومتى ما توفرت الإرادة السياسية والإدارة الاقتصادية الرشيدة، فإن هذا المريض قادر على النهوض من سريره الأبيض والعودة إلى أداء دوره الطبيعي كرمز للسيادة الوطنية وقوة الاقتصاد السوداني. فتعافي الجنيه ليس هدفاً مالياً فحسب، بل هو عنوان لتعافي السودان كله.
مشاركة الخبر علي :