السودان... متى ينهض من كبوته؟ محمد التجاني عمر قش
الكبوات والأزمات جزء من تاريخ الأمم والشعوب، فقلّما نجد أمة لم تمر بحروب أو أزمات اقتصادية أو انقسامات سياسية أو نكسات حضارية. غير أن الفرق بين الشعوب لا يكمن في وقوعها في الأزمات، بل في قدرتها على تجاوزها وتحويلها إلى فرص للنهوض والتجدد. يعيش السودان اليوم أسوأ أزمة في تاريخه الحديث؛ إذ تدور الحرب في أجزاء واسعة من الوطن، ويثقل الغلاء كاهل المواطنين، ويتراجع الأمن والاستقرار، فيما شُرِّد الملايين ونزحوا من ديارهم، وتعطلت عجلة الإنتاج في مختلف القطاعات. كما لم يعد الطلاب يجدون فرصة للعودة إلى مقاعد الدراسة إلا في مناطق محدودة، وتعرضت المرافق الصحية والخدمية لدمار واسع. ومع ذلك، يظل الأمل معقوداً بالله ، ثم على حكمة الشعب السوداني وخبراته المتراكمة في عبور الأزمات والنهوض من هذه الحالة المزرية .وأول خطوة في طريق الخروج من الكبوات والأزمات هي الاعتراف بوجود المشكلة وعدم إنكارها أو التهرب منها. فالشعوب التي تواجه واقعها بصدق تكون أقدر على إيجاد الحلول. ويتطلب ذلك دراسة أسباب التراجع وتحليل الأخطاء، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو أمنية.
وبما أن الأمور لا تتحقق بالتمني، فإن هناك متطلبات أساسية لا بد من أخذها في الاعتبار للخروج من هذا النفق المظلم. ومن الضروري أن تتم المعالجة بصورة شاملة ومتعددة الجوانب، يأتي في مقدمتها الإسراع في حسم التمرد وفرض هيبة الدولة على كامل التراب السوداني، دون الالتفات إلى الضغوط الخارجية أو المؤامرات التي تُحاك ضد هذا البلد العظيم، مهما بلغت التكاليف العسكرية والمادية. ويتطلب ذلك استعداداً للتضحية من الدولة والشعب على حد سواء. ولعل من الدروس التي يمكن الوقوف عندها ما حدث في إيران، حيث استطاعت، رغم ما تعرضت له من دمار وخسائر، أن تدفع خصومها إلى طاولة التفاوض، مستفيدة من تماسك جبهتها الداخلية ووحدة موقفها الرسمي والشعبي. فحين تتوحد الكلمة وتتوفر الإرادة، تصبح مواجهة التحديات أكثر يسراً، حتى في أحلك الظروف.
وبعد تجاوز هذه المرحلة، ينبغي الالتفات إلى الوضع الاقتصادي. ومن نافلة القول إن السودان بلد غني بالموارد، إلا أن كثيراً من هذه الموارد يتعرض للنهب والتهريب والتخريب. ولمعالجة هذا الخلل المزمن، لا بد من إيجاد منظومة حكومية متجانسة يقودها أصحاب الخبرة والنزاهة والكفاءة والوطنية من الكوادر المؤهلة. وبعبارة أخرى، فإن إصلاح أجهزة الدولة يتطلب الدقة في الاختيار والابتعاد عن المحاصصة والمجاملات والرضوخ للإملاءات الخارجية؛ إذ إن هذه الممارسات كانت من أبرز أسباب تعثر السودان. وفي هذا السياق، ينبغي على الجهات المختصة بالقطاع الاقتصادي التفكير خارج الأطر التقليدية، من خلال تقديم حوافز مجزية لمنتجي الذهب وتُجاره، بما يشجع على توجيه الصادرات عبر مؤسسات الدولة، مع الالتزام الكامل بحفظ الحقوق وإعطاء كل ذي حق حقه. كما يتطلب الأمر تحفيز السودانيين العاملين بالخارج عبر تقديم تسهيلات حقيقية تمكنهم من استعادة ما فقدوه خلال سنوات الحرب، مقابل تحويل مدخراتهم عبر النظام المصرفي الرسمي.أما رؤوس الأموال التي غادرت إلى دول الجوار بسبب الحرب، فلا بد من تهيئة بيئة استثمارية جاذبة تشجع أصحابها على العودة للعمل داخل السودان. ويمكن في هذا الصدد الاستفادة من تجارب بعض الدول التي نجحت في تجاوز آثار النزاعات وتحقيق معدلات نمو ملحوظة.
ويظل القطاعان الزراعي والحيواني من أهم موارد السودان الاقتصادية، وهما بحاجة إلى إعادة تأهيل عاجلة وتوفير البنية التحتية والخدمات اللازمة حتى يحققا العائد المرجو ويسهما بفاعلية في عملية التعافي الاقتصادي.
ومن ضرورات النهوض كذلك بناء الإنسان القادر على العمل والإنتاج، من خلال التأهيل والتدريب ومراجعة البرامج التعليمية في مختلف المراحل والتخصصات، وتوفير مدخلات الإنتاج ومعيناته، إلى جانب مكافحة الجهوية والعنصرية والتطرف، وتعزيز اللحمة الاجتماعية، وإعادة بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم، وترسيخ قيم الوحدة الوطنية، حتى لا تتكرر الأسباب التي قادت إلى الحرب الدائرة اليوم. كما أن تأمين الحدود ومراقبتها تعد ضرورة لا غنى عنها، حتى لا تظل البلاد عرضة للاختراق من الطامعين في مواردها واستقرارها. وأخيراً، فإن الشعوب الناهضة لا تنسى أخطاءها، بل تتعلم منها لبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
مشاركة الخبر علي :