*الإمارات والحرب على السودان.. عندما تتحول المنابر إلى أدوات لتبرير العدوان* *أبعاد مصطفى بشير عيسى*
ما صدر عن الدكتورة أماني الطويل في الندوة التي استضافها أحد مراكز الأبحاث في دولة الإمارات لا يمكن النظر إليه بوصفه قراءة أكاديمية محايدة، وإنما يمثل خطابًا سياسيًا منحازًا، يحمّل الضحية مسؤولية المأساة، ويتجاهل الدور الذي تتهم به الإمارات على نطاق واسع في تأجيج الحرب السودانية عبر دعم أحد أطرافها، وفق ما تداوله كثير من التقارير والمواقف السياسية.
لقد تجاوزت الطويل حدود التحليل السياسي إلى إطلاق أحكام عامة تمس الشعب السوداني وثقافته وتاريخه، ووصفت السودان بأنه عبء على مصر، وسخرت من الجيش السوداني، وتحدثت عن السودانيين بلغة لا تليق بمن يدّعي البحث العلمي.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمن يتحدث عن السودان من داخل الإمارات أن يتجاهل الاتهامات الواسعة الموجهة للإمارات بشأن دورها في الصراع، ثم يوجه كل سهام النقد إلى الدولة السودانية وجيشها وشعبها؟
إن الحديث عن أن السودانيين كانوا عبئًا على مصر هو تجاهل صارخ للتاريخ. فالسودان لم يتردد يومًا في الوقوف مع مصر في أحلك ظروفها، واستقبل المصريين خلال الحروب، وفتح لهم الأرض قبل البيوت، وشارك الجيش السوداني في معارك الدفاع عن مصر، وقدم شهداء في حرب أكتوبر، وكان من أوائل القوات العربية التي شاركت في العمليات العسكرية ضد إسرائيل.
كما أن موجة اللجوء السوداني إلى مصر لم تكن عبئًا اقتصاديًا كما تحاول الطويل تصويرها. فقد دخل آلاف المستثمرين السودانيين برؤوس أموالهم، وضخوا أموالًا في السوق المصرية، كما أن تحويلات السودانيين لأسرهم داخل مصر أسهمت في تنشيط الاقتصاد، فضلًا عن الرسوم الدراسية التي يدفعها الطلاب السودانيون بالعملات الأجنبية في المدارس والجامعات، إلى جانب ما حصلت عليه مصر من دعم دولي مرتبط باستضافة اللاجئين.
أما الجيش السوداني الذي حاولت الطويل التقليل من شأنه، فهو مؤسسة عسكرية صمدت في مواجهة حرب معقدة امتدت لسنوات، في ظل ظروف داخلية وإقليمية بالغة الصعوبة، واستطاعت الحفاظ على تماسك الدولة في مواجهة تحديات جسيمة. والاختلاف في تقييم أداء أي مؤسسة عسكرية أمر مشروع، لكن المساواة بين الجيش الوطني ومجموعة مسلحة في إطار أحكام عامة لا تساعد على فهم الأزمة ولا على البحث عن حلول لها.
إن أخطر ما في حديث الطويل أنه يقدم رواية تتجاهل تعقيدات الأزمة السودانية، وتختزلها في أوصاف تمس شعبًا بأكمله، بدلًا من تناول الأسباب السياسية والعسكرية والإنسانية للصراع.
ويبقى السودان أكبر من حملات التشويه، وأكبر من محاولات النيل من جيشه وشعبه. والتاريخ لا يكتبه أصحاب المنابر المؤقتة، وإنما تكتبه مواقف الشعوب والدول في أوقات الشدة. والسودانيون سيظلون يتذكرون من وقف معهم، كما سيتذكرون أيضًا من اختار أن يهاجمهم في لحظة كانت بلادهم تواجه فيها واحدة من أصعب الأزمات في تاريخها.
مشاركة الخبر علي :