بقلم د .سعاد فقيري *الدليل الإرشادي للطالب السوداني بمصر... خطوة في الاتجاه الصحيح وإن جاءت متأخرة*
من الحكمة أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً.
بهذه العبارة يمكننا أن نستقبل إعلان المستشارية الثقافية بسفارة السودان بالقاهرة عن إطلاق "الدليل الإرشادي الشامل للطالب السوداني بالجامعات المصرية"، باعتباره واحداً من أهم المشاريع الخدمية التي كان ينتظرها آلاف الطلاب وأولياء الأمور منذ اندلاع الحرب السودانية وما ترتب عليها من نزوح ولجوء واسع النطاق نحو جمهورية مصر العربية الشقيقة.
لا شك أن هذه الخطوة جاءت بعد معاناة طويلة عاشها الطلاب السودانيون بين أروقة الجامعات ومكاتب التنسيق ومنصات التقديم والإقامات الدراسية، وسط سيل من المعلومات المتضاربة والشائعات والاجتهادات الشخصية التي أهدرت كثيراً من الوقت والمال والجهد.
لقد وجد كثير من الطلاب أنفسهم في مواجهة إجراءات معقدة دون مرشد أو دليل رسمي واضح، بينما ظل أولياء الأمور يتنقلون بين صفحات التواصل الاجتماعي بحثاً عن معلومة صحيحة أو إجابة موثوقة.
من هنا تبرز أهمية هذا الدليل الذي يمثل لأول مرة مرجعاً رسمياً متكاملاً يجمع بين المعلومات الأكاديمية والقانونية والمعيشية في وثيقة واحدة، ويضعها في متناول الطالب السوداني أينما كان.
والحقيقة أن قيمة هذا الدليل لا تكمن فقط في محتواه، وإنما في الفلسفة التي يقف عليها؛ وهي الانتقال من إدارة الأزمات بردود الأفعال إلى إدارة المعرفة بالمعلومة الصحيحة والموثقة.
فالتعليم لا يقوم على الفصول الدراسية وحدها، وإنما يقوم كذلك على وضوح الإجراءات وسهولة الوصول إلى المعلومة وحماية الطالب من الوقوع في الأخطاء الإدارية والقانونية التي قد تكلفه مستقبله الأكاديمي.
ويحسب للمستشارية الثقافية أنها اختارت أن يكون الدليل إلكترونياً وتفاعلياً وقابلاً للتحديث المستمر، لأن متغيرات التعليم والإقامة والرسوم والإجراءات لا تتوقف، الأمر الذي يجعل النسخ الورقية التقليدية عاجزة عن مواكبة المستجدات.
غير أن هذه المبادرة، على أهميتها، يجب ألا تكون نهاية المطاف، بل بداية لمشروع أكبر للتحول الرقمي والخدمات الذكية الخاصة بالطلاب السودانيين في مصر.
فما أحوجنا اليوم إلى منصة إلكترونية موحدة تضم خدمات القبول والتسجيل والمتابعة الأكاديمية والاستشارات القانونية والدعم النفسي والاجتماعي والتواصل المباشر مع المستشارية الثقافية والروابط الطلابية.
كما أن المرحلة القادمة تستدعي إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة للطلاب السودانيين بالجامعات المصرية، حتى تتمكن الجهات المختصة من التخطيط السليم وتقديم الخدمات بصورة أكثر كفاءة.
إن الحرب حرمت كثيراً من أبنائنا من الاستقرار، ولكنها لا ينبغي أن تحرمهم من حقهم في التعليم الجيد والمعلومة الصحيحة والخدمة الكريمة.
لذلك فإننا نثمن هذه الخطوة ونشيد بالجهود التي بذلتها المستشارية الثقافية تحت رعاية سعادة السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، وإشراف الدكتور عاصم أحمد حسن، ونأمل أن يكون هذا الدليل باكورة لسلسلة من المبادرات النوعية التي تضع الطالب السوداني في مقدمة الأولويات.
فالاستثمار الحقيقي للأمم ليس في المباني ولا في الموارد، وإنما في أبنائها المتعلمين.
وحين نهتم بالطالب اليوم، فإننا في الحقيقة نبني السودان الذي نحلم به غداً.
مشاركة الخبر علي :