بقلم أ. اسماعيل جمباكا الوعي الرقمي ضد المخدرات عندما يصبح الوعي خط الدفاع الأول
في زمن الحروب لا تقتصر المعارك على ساحات القتال، بل تمتد إلى العقول والضمائر والقيم.
وإذا كانت البنادق تهدد أمن الأوطان، فإن المخدرات تهدد حاضرها ومستقبلها، لأنها تستهدف الإنسان نفسه، وتحديداً الشباب الذين يمثلون القوة الحقيقية لأي مشروع وطني لإعادة البناء.
لقد أوجدت الحرب في السودان بيئة معقدة استغلها تجار المخدرات، مستفيدين من ضعف الرقابة على بعض المناطق، وانشغال المؤسسات الأمنية والاقتصادية بتحديات الحرب، وما ترتب على ذلك من نزوح وفقر وبطالة وتفكك اجتماعي.
وفي مثل هذه الظروف يصبح الإعلام الرقمي سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن أي وسيلة أخرى في حماية المجتمع.
فالإعلام الرقمي اليوم لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح مصنعاً للرأي العام، ومنصة للتثقيف، وأداة لتشكيل السلوك، ومنبراً لمواجهة الشائعات والجريمة المنظمة.
ومن خلال الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي يمكن الوصول إلى ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها برسائل توعوية مؤثرة وسريعة الانتشار.
إن معركة مكافحة المخدرات لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها، فكل تاجر مخدرات يسعى إلى استغلال ضعف الوعي قبل استغلال ضعف القانون.
ولذلك فإن بناء الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول، بينما تأتي العقوبات القانونية لحماية هذا الوعي وترسيخه.
ولكي يقود الإعلام الرقمي هذه المعركة بفاعلية، لا بد من إطلاق استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على إنتاج محتوى احترافي يخاطب الشباب بلغتهم، ونشر قصص واقعية عن ضحايا الإدمان، والاستفادة من الأطباء والمتخصصين وعلماء الدين وعلماء النفس والإعلاميين في تقديم رسائل علمية مقنعة، مع توظيف الفيديوهات القصيرة، والبودكاست، والرسوم التوضيحية، والحملات التفاعلية.
كما ينبغي أن تتحول المدارس والجامعات ومنظمات المجتمع المدني إلى شركاء في هذه المنظومة، بحيث يصبح كل طالب وكل معلم وكل مؤثر رقمي سفيراً للتوعية.
فالمسؤولية ليست مسؤولية الدولة وحدها، وإنما مسؤولية مجتمع بأكمله.
ومن المهم كذلك إنشاء منصة رقمية وطنية متخصصة في مكافحة المخدرات، تضم معلومات موثقة، وخدمات استشارية، ومواد توعوية، وآليات آمنة للإبلاغ عن المروجين، بما يعزز الثقة بين المواطن والأجهزة المختصة، ويزيد من فاعلية المواجهة.
ولا تقل أهمية عن ذلك مواجهة المحتوى الرقمي الذي يروج للمخدرات أو يزين تعاطيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر تعزيز الثقافة الرقمية لدى الشباب، وتمكينهم من التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الذي يخدم شبكات الجريمة المنظمة.
إن السودان، وهو يتطلع إلى التعافي وإعادة الإعمار، يحتاج إلى بناء الإنسان قبل بناء العمران.
فلا تنمية بلا شباب أصحاء، ولا اقتصاد قوي مع انتشار الإدمان، ولا أمن قومي حقيقي إذا تُركت المخدرات تعبث بعقول الأجيال.
إن الإعلام الرقمي، إذا أُحسن توظيفه، قادر على أن يحول كل هاتف ذكي إلى منصة توعية، وكل حساب إلكتروني إلى رسالة وطنية، وكل مواطن إلى شريك في حماية وطنه.
فالانتصار الحقيقي في معركة المخدرات لا يتحقق بكثرة الحملات الإعلامية، وإنما بصناعة وعي مجتمعي راسخ، يجعل من كل شاب سوداني حارساً لعقله، ومن كل أسرة حصناً لأبنائها، ومن كل منصة رقمية منبراً لحماية الوطن. فالوعي هو السلاح الذي لا تنفد ذخيرته، وهو الاستثمار الذي يبقى أثره جيلاً بعد جيل.
مشاركة الخبر علي :