بقلم د. سعاد فقيري *السفير عبدالمحمود عبدالحليم... مدرسةٌ في الدبلوماسية الهادئة*

ليس كل دبلوماسي ينجح في بناء العلاقات، وليس كل سفير يترك أثرًا في ذاكرة الشعوب. فهناك رجالٌ يمرون على المناصب مرورًا عابرًا، وهناك من تتحول المناصب بين أيديهم إلى رسالة وطنية وإنسانية. ومن هؤلاء السفير الدكتور عبدالمحمود عبدالحليم.
عرفته ساحات العمل الدبلوماسي في أكثر من محطة، فتنقل بين نيويورك والرياض وأديس أبابا، ثم حمل راية السودان سفيرًا في الهند، مع الاعتماد لدى سريلانكا ونيبال، قبل أن يختتم إحدى أبرز محطاته سفيرًا للسودان لدى جمهورية مصر العربية ومندوبًا دائمًا لدى جامعة الدول العربية.
ولم تكن هذه المحطات مجرد تنقلات وظيفية، بل كانت ساحات تجلت فيها كفاءته الأكاديمية والمهنية؛ فالسفير تسلّح بخلفية علمية صلبة نالها من جامعة الخرطوم في العلوم السياسية، ثم نال درجتي الماجستير والدكتوراه في العلاقات الدولية.
ولعل ذروة عطائه الدولي قد تبدّت عندما قاد دبلوماسية بلاده في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك مندوبًا دائمًا في واحدة من أدق الفترات السياسية، حيث انتخبت قارات العالم سعادته نائباً لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورئيساً للجنة الرابعة للجمعية العامة المعنية بالشؤون السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار.
كما تولى لمدة عام رئاسة "مجموعة الـ 77 والصين"، وقاد بحنكته المعهودة مجموعة الدول النامية في مفاوضات الأزمة الاقتصادية والتغير المناخي، ليدير ملفات السياسة العالمية باسم أكثر من مائة وثلاثين دولة.
وبفضل هذا القبول الدولي الواسع، ترأس اجتماعات سفراء المجموعة الأوروبية والمندوبين الدائمين العرب.
وفي الهند، لم يكن حضوره بروتوكوليًا، بل عمل على توثيق العلاقات الاقتصادية، وإيجاد مساحات جديدة للتعاون بين البلدين، مؤمنًا بأن الدبلوماسية الحديثة لا تقتصر على السياسة، بل تشمل الاقتصاد والثقافة والتنمية، ونال تقديراً كبيراً هناك تُوّج باختياره عميداً للسلك الدبلوماسي العربي والأجنبي في نيودلهي.
كما أسهمت خبرته العميقة في التعامل مع الملفات الإفريقية المعقدة إبان فترة عمله سفيراً في إثيوبيا ومندوباً لدى منظمة الوحدة الإفريقية، واكتسب سمعةً طيبة في إدارة الأزمات، وهي خبرة ممتدة تُوّجت بانتخابه من قِبل قمة الكوميسا عام 2023 بلوساكا عضواً بلجنة حكماء إقليم شرق وجنوب إفريقيا، وهي ميزة لا تتوافر إلا لمن يجمع بين العلم، وسعة الأفق، والحكمة في اتخاذ القرار.
ولم تنحصر جهوده في الأروقة الرسمية فحسب، بل هو كاتب وخبير بارز في الشؤون الدولية والإفريقية، وعضو فاعل بعدة منظمات وهيئات ثقافية ورياضية، مما جعل عطاءه ممتداً ومتنوعاً.
أما في القاهرة، فقد وجد فيه السودانيون سفيرًا قريبًا منهم، يتابع قضاياهم، ويحرص على تعزيز العلاقات التاريخية بين السودان ومصر، واضعًا نصب عينيه أن الشعبين تجمعهما روابط أعمق من أي خلاف عابر.
ولعل أجمل ما يلفت النظر في شخصيته أن اسمه يكاد يترجم أخلاقه؛ فهو عبدٌ للمحمود في سيرته، وعبدٌ للحليم في حلمه واتزانه.
لم يكن صوته يعلو على الحكمة، ولا كانت ردود أفعاله تسبق تفكيره، بل كان يؤمن بأن الكلمة الهادئة قد تحقق ما لا تحققه الضوضاء.
قد يختلف الناس حول المواقف السياسية، وهذا أمر طبيعي، لكنهم يجتمعون غالبًا على احترام الخلق الرفيع، والكفاءة، وحسن التعامل. وهذه صفاتٌ لا تمنحها المناصب، وإنما تصنعها التربية والخبرة والإخلاص.
إن تكريم الشخصيات الوطنية وهي بيننا ليس مجاملة، وإنما هو ثقافة حضارية تحفظ للأوطان ذاكرتها، وتُقدّم للأجيال نماذج يُحتذى بها. والسفير الدكتور عبدالمحمود عبدالحليم واحد من تلك الأسماء التي تستحق أن تُذكر بكل تقدير، لما قدمه من خدمة لوطنه في ميادين الدبلوماسية، ولما عُرف عنه من رقي في التعامل، واتزان في المواقف، وإخلاص في أداء الواجب.
نسأل الله أن يمده بالصحة والعافية، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم لوطنه، وأن يظل مثالًا للدبلوماسي السوداني الذي يجمع بين العلم، والأدب، والحكمة، وحسن الخلق.
مشاركة الخبر علي :