*أبعاد* *دارفور.. حين يتحدث الميدان وتصمت الأوهام*
في الحروب لا تُقاس قوة الجيوش بالضجيج الإعلامي ولا بالشعارات، وإنما بما تحققه على الأرض من نتائج، وبقدرتها على إدارة المعركة وفق رؤية استراتيجية متماسكة. وما تشهده الساحة السودانية خلال الأيام الأخيرة يؤكد أن القوات المسلحة السودانية، مدعومة بالقوة المشتركة والمستنفرين وكافة القوات المساندة، تمضي بخطى ثابتة في تنفيذ خططها العسكرية، واضعة نصب أعينها استعادة سيادة الدولة وبسط هيبتها على كامل التراب الوطني.
لقد جاءت العمليات الأخيرة في دارفور لتبعث برسالة واضحة مفادها أن القوات المسلحة لا تخوض الحرب بردود الأفعال، وإنما وفق حسابات دقيقة، وخطط تراكمية، وصبر استراتيجي، وهو ما تجسد في نقل مسرح العمليات إلى عمق المناطق التي كانت تُعد لوقت طويل من أهم معاقل قوات الدعم السريع. فالوصول إلى كلبس والسيطرة عليها، ثم التقدم نحو جبل مون، يمثلان – إذا تأكدت هذه التطورات ميدانياً – تحولاً مهماً في مسار العمليات العسكرية، لما لهاتين المنطقتين من أهمية استراتيجية على مستوى خطوط الإمداد والحدود الغربية.
إن تحرير كلبس، بما تمثله من عقدة مواصلات وممر حدودي، لا يقتصر أثره على استعادة مدينة، بل يحمل أبعاداً عسكرية تتعلق بتضييق مسارات الإمداد، وأبعاداً ميدانية تتصل بإعادة رسم خارطة العمليات في غرب دارفور، فضلاً عن آثاره المعنوية والسياسية التي تنعكس على مجريات الصراع.
وما يلفت الانتباه أن هذه التحركات جاءت على نحو أربك حسابات الخصوم، وأثار قلقاً واسعاً في الأوساط الداعمة لهم، بعد أن ظلت تقديرات كثيرة تراهن على ثبات خطوط التماس في دارفور. لكن تطورات الميدان أظهرت أن عنصر المفاجأة ما زال حاضراً بقوة في أداء القوات المسلحة، وأنها قادرة على المبادرة ونقل المعركة إلى حيث تختار، لا حيث يريد خصومها.
لقد أثبتت القوات المسلحة السودانية، ومعها القوة المشتركة وأبناء المقاومة الشعبية وسائر القوات المساندة، أنها تمتلك من الخبرة والانضباط والاحترافية ما يؤهلها لإدارة عمليات معقدة في مسارح متعددة، مع المحافظة على تماسك القيادة ووحدة القرار العسكري، وهو ما يفسر النجاح في تحقيق اختراقات متزامنة أربكت الخصم وأجبرته على إعادة ترتيب أولوياته الدفاعية.
كما أن الأداء المتكامل بين القوات البرية وسلاح الجو أسهم بصورة واضحة في زيادة الضغط على خطوط الحركة والإمداد، الأمر الذي يعكس مستوى عالياً من التنسيق العملياتي بين مختلف التشكيلات العسكرية، ويؤكد أن المؤسسة العسكرية تمضي وفق رؤية متدرجة تستند إلى التخطيط أكثر من الاعتماد على الاندفاع.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ميزان المبادرة الميدانية يشهد تغيرات متسارعة، وأن الأيام المقبلة قد تحمل مستجدات إضافية، غير أن نتائج أي عمليات عسكرية تظل مرتبطة بما يثبت على الأرض من وقائع، وهو ما يجعل متابعة التطورات الميدانية أمراً ضرورياً قبل الجزم بمآلاتها.
لقد أصبح واضحاً أن القوات المسلحة تمضي بثقة مستندة إلى خبرتها العسكرية وإلى ما تتلقاه من دعم شعبي واسع، في وقت تواجه فيه تحديات معقدة فرضتها طبيعة الحرب وتشابكاتها الإقليمية. ورغم ذلك، فإن ثبات الأداء العسكري يعكس إصرار المؤسسة العسكرية على مواصلة عملياتها وفق ما تراه مناسباً لتحقيق أهدافها.
إن معركة السودان ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي معركة تتعلق بمستقبل الدولة ووحدة أراضيها وسيادتها. ولهذا يظل الرهان الحقيقي على تماسك المؤسسات الوطنية، ووحدة الصف الداخلي، ودعم كل الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار، حتى يعود السودان آمناً مستقراً تحت راية دولة قوية ومؤسسات راسخة.
*مصطفى بشير عيسى*
مشاركة الخبر علي :