الحرب في السودان والأمن القومي الإقليمي محمد التجاني عمر قش
مفهوم الأمن القومي يعني مجموعة السياسات والإجراءات التي تتخذها الدول لحماية وجودها من مختلف التهديدات بما يضمن الأمن والاستقرار والتنمية، وهو مفهوم واسع يشمل الأمن العسكري والاجتماعي، والسياسي والاقتصادي والسيبراني. ومن جانب آخر يعرف الأمن القومي بأنه قدرة الدول على حماية سيادتها ووحدة أراضيها وشعبها ومصالحها الحيوية من التهديدات الداخلية والخارجية، مع ضمان استمرار مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن تحقيق الأمن القومي يتطلب التعاون والتنسيق بين عدة دول بحيث لا تكون أراضي وحدود إحداها منطلقا لتهديد الأخرى؛ وهو لذلك مفهوم استراتيجي حيوي يعد من ضرورات البقاء في هذا العصر الذي يتميز بتعقيد وتداخل العلاقات والمصالح بين الدول والشعوب؛ خاصة في ظل مطامع بعض الجهات في السيطرة على الموارد الطبيعية في الدول الأكثر هشاشة والأقل استقرارا مثلما هو الحال في كثير من دول إفريقيا.
ولتحقيق هذا الهدف، تسعى الدول المتجاورة في أنحاء العالم لتكوين منظمات إقليمية تعنى بالدرجة الأولى بالحفاظ على أمنها القومي، ولكن في حالة الدول الإفريقية ظلت تلك المنظمات عرضة للاختراق من قبل جهات ودول كثيرة بغية السيطرة على القرار القومي والإقليمي. ولعل السودان، بحكم موقعه الجغرافي، وتعدد موارده الطبيعية هو واحد من أكثر الدول استهدافا من دول الاستعمار الجديد، سعيا لتفتيت وحدة أراضيه، بفصل بعض أجزائه؛ مثلما حدث في الجنوب، وضرب نسيجه الاجتماعي، بإشعال الفتن الجهوية والقبلية كما حدث في دارفور، لإضعاف موقفه القومي، وتهديد أمنه الإقليمي! وهذا هو السبب الرئيس للحرب التي تدور رحاها لأكثر من ثلاثة سنين عجاف في هذا البلد العملاق. وقد أسند تنفيذ المهمة داخليا لمجموعة من شذاذ الآفاق والمرتزقة بالتنسيق الكامل مع مجموعة من دول الجوار التي يبدو أنها لا تدرك مفهوم الأمن القومي فطفقت تسهل مرور الدعم اللوجستي والعسكري للمليشيا عبر مطاراتها وحدودها البرية من تشاد غربا، وليبيا في الشمال الغربي، إلى أثيوبيا شرقا، وجنوب السودان وأرض الصومال.
وكل هذا التآمر جرى بتمويل من دولة كنا نعدها من الأشقاء ولكنها نسيت كل العلائق والجميل الذي أسداه لها أبناء السودان في بداية نشأتها، ورهنت إرادتها ومقدراتها المالية لخدمة مشروع الصهيونية العالمية والدولة العبرية المغتصبة، لضرب الأمن القومي للدول العربية في مقتل، تمهيدا لإنشاء إسرائيل الكبرى، كما يزعمون. وقد تباينت مواقف الدول العربية إزاء ما يحدث في السودان، فمنها من أدان التدخل في شأن بلادنا ولاذ بعضها بالصمت السلبي في بداية الأمر، ولكن بعدما تمازيت المواقف برز دور السعودية وقطر ومصر حفاظا على أمنها القومي؛ وخشية الإضرار بمصالحها مع السودان. وقد أكد مندوب مصر في مجلس الأمن، بلغة واضحة: " أن تقسيم السودان أو إنشاء كيانات موازية للدولة يمثل "خطًا أحمرا" بالنسبة لمصر، داعيًا مجلس الأمن إلى التصدي لأي محاولات من هذا النوع". وهذا موقف يحمد للشقيقة مصر، وهو يصب في خانة الأمن القومي للدولتين الجارتين. ومن جانبها، تصدت السعودية بقوة لكل مساعي التدخل في الشأن السوداني، بعد أن استبانت خطورة الوضع على مصالحها، وحدودها البحرية المشتركة مع السودان في البحر الأحمر. ومنذ اندلاع الحرب، وأعلنت المملكة العربية السعودية أن موقفها الرسمي يقوم على دعم وحدة السودان وسيادته، وسلامة أراضيه.
عموما، يبدو أن دول الجوار السوداني في الغرب والشرق تفتقر لفهم دقيق لمعنى الأمن القومي، ولهذا ارتمت في أحضان دويلة الشر الداعم الرئيس للمليشيا، مقابل دراهم معدودة، ووعود بالدعم المالي تحت تأثير إسرائيل والمنظمات التابعة للصهيونية، وعلى تلك الدول أن تعلم أن من يسكن في بيت من الزجاج لا ينبغي أن يرمي غيره بالحجارة، فالأمن القومي يستوجب مراعاة المصالح المشتركة وعلاقات حسن الجوار كما يقررها القانون الدولي العام.
مشاركة الخبر علي :