بقلم د. سعاد فقيري عبد الرحيم أرقي... عندما يصمت الطمبور وتبكي أوتاره

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
لم يكن الخبر عابرًا، ولم يكن الموت هذه المرة مجرد رحيل إنسان، بل كان انطفاء قنديل ظل يضيء ليالي السودان لعقود، وصمت وتر ظل يهمس للحب، وللنيل، وللنخيل، وللإنسان السوداني البسيط.
رحل الفنان الكبير عبد الرحيم أرقي... فرحل معه صوت كان يشبه دفء البيوت، ونقاء النيل، وهدوء الليالي الشمالية، وعذوبة النسيم حين يمر بين النخيل. رحل الجسد، لكن الروح التي سكنت أغنياته ستظل حاضرة كلما داعب الطمبور أوتاره، وكلما ردد الناس ألحانه التي أصبحت جزءًا من ذاكرتهم.
هناك فنانون يغنون، وهناك من يصبحون جزءًا من هوية وطن. وعبد الرحيم أرقي كان من أولئك الذين لا يمكن فصل أسمائهم عن وجدان السودان. لم يكن يبحث عن الشهرة، بل كان يبحث عن الصدق، ولذلك أحبه الناس. ولم يكن يصنع الأغنية لتعيش موسمًا، بل لتبقى عمرًا كاملًا في ذاكرة الأجيال.
كان الطمبور بين يديه كائنًا حيًا، يتنفس، ويبكي، ويبتسم. فإذا عزف، تكلمت الأرض، وإذا غنى، أنصتت القلوب قبل الآذان. لم يكن صوته مجرد نغم، بل كان رسالة وفاء للأرض التي أحبها، وللإنسان الذي آمن به، وللتراث الذي حمله بكل أمانة حتى صار أحد أعمدته الراسخة.
لقد علمنا عبد الرحيم أرقي أن الفن ليس ضجيجًا، وإنما أخلاق، ورسالة، وانتماء. وأن الأغنية ليست كلمات ولحنًا فحسب، بل ذاكرة شعب، وحكاية وطن، وتاريخ أمة.
كم من قلبٍ أفرحته أغنياته، وكم من حزينٍ وجد فيها سلواه، وكم من مغتربٍ أعادته ألحانه إلى ضفاف النيل، وإلى رائحة الطين، وإلى نخيل الشمال، وإلى دفء الأهل. لقد كان يغني للسودان كله، ولذلك لم يكن جمهوره منطقة أو قبيلة، بل وطنًا بأكمله.
واليوم... يبكيه الطمبور الذي طالما أنطقه، وتنعاه الأوتار التي منحها الحياة، ويقف الفن السوداني في ثياب الحداد، مودعًا واحدًا من أنقى أصواته وأصدق فنانيه.
لكن العظماء لا يموتون بالموت، وإنما يخلدون بما قدموا. وسيظل اسم عبد الرحيم أرقي محفورًا في سجل الفن السوداني، كما تُحفر أسماء الذين صنعوا الجمال ولم ينتظروا جزاءً إلا محبة الناس.
وفي هذا الزمن المثقل بالأحزان، يذكرنا رحيله بحقيقة الدنيا؛ أن كل لحن مهما طال لا بد أن ينتهي، وأن أجمل الأصوات ستسكت يومًا، ولكن يبقى الأثر الطيب، ويبقى الدعاء، ويبقى الذكر الحسن.
نسأل الله، الكريم الرحيم، أن يتغمد فقيد السودان بواسع رحمته، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن ينير له مضجعه، ويجزيه عن كل بسمة زرعها في وجوه الناس، وعن كل لحنٍ أحيا به النفوس، خير الجزاء.
اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، واجعل الفردوس الأعلى مستقره ومأواه، وألهم أهله ومحبيه والشعب السوداني الصبر والسلوان.
سلامٌ عليك يا عبد الرحيم أرقي...
سلامٌ على الصوت الذي لم يعرف إلا الصدق...
سلامٌ على الطمبور الذي ازدان بين يديك حتى صار يتحدث بلغتك...
وسلامٌ على روحك وهي ترتقي إلى بارئها، بعد أن تركت في أرض السودان إرثًا من المحبة والجمال لا يذبل، ولا تغيب شمسه، ولا تنطفئ أنواره.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
رحم الله عبد الرحيم أرقي... فقد غاب الصوت، ولكن بقي اللحن، وغاب الجسد، ولكن بقي الأثر، وغاب الفنان، ولكن بقي الوطن يردد اسمه كلما صدح الطمبور بحكايات الخلود.
مشاركة الخبر علي :