إدريس جمّاع، عندما تشِفّ الروح (1-2) عادل عسوم
لان قُدّر للملائكة أن تمشي بين الناس، لكان إدريس جمّاع مَلَكاً!
مقولة ظلّ يرددها والدي رحمه الله كلما دار الحديث عن هذا الإنسان المرهف…
والكتابة عن جمّاع ظلت تراودني زمانا، وأحمد الله أن يسّر لي ذلك اليوم.
من القصائد التي وقرت في وجداني لشاعرنا النبيل قصيدة (صوت من وراء القضبان)…
أذكر بأنني قد أهديتها -يوما- إلى زميل دراسة فلسطيني زاملني خلال مرحلة البكالوريوس في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، سافر الرجل إلى الأردن خلال العطلة الدراسية ثم عاد وقال:
والله ياأخي عادل
لقد أصبحت هذه القصيدة أثيرة لدى كل من قرأها من الأهل والأحباب في فلسطين، وتيقنت من صدق الرجل عندما قال الوضئ اسماعيل هنية عند زيارته الأخيرة الى السودان قبل سنوات:
لقد ظل السودان وأهله يعيش بين جنبات دورنا من خلال قصيدة الشاعر ادريس جماع صوت من وراء القضبان!
هذه هي القصيدة:
على الخطب المريعِ طويتُ صدري
وبحتُ فلم يفدْ صمتي وذكري
وفي لُـجج الأثيرِ يذوب صوتي
كساكب قطرةٍ في لُجّ بحر
دجى ليلي وأيامي فصولٌ
يؤلّف نظمُها مأساةَ عمري
أُشاهد مصرعي حيناً وحيناً
يخايلني بها أشباحُ قبري
وفي الكون الفسيح رهينُ سجنٍ
يلوح به الردى في كلّ شِبر
وأحلامُ الخلاصِ تشعّ آناً
ويطويها الردى في كلّ سِتر
حياةٌ لا حياةَ بها ولكنْ
بقيّةُ جذوةٍ وحطامُ عمر
خطوبٌ لو جهرتُ بها لضاقت
بها صورُ البيانِ وضاق شعري
جهرتُ ببعضها فأضاف بثّي
بها ألماً إلى آلام غيري
كأني أسمع الأجيالَ بعدي
وفي حَنَقٍ تُردّد هولَ أمري
يقلّبني الفِراشُ على عذابٍ
يهزّ أساه كلَّ ضميرِ حُرّ
تطالعني العيونُ ولا تراني
فشخصي غيّرتْه سنينُ أسري
يصمّ صليلُ هذا القيدِ سمعي
وفي الأغلال وجداني وفكري
وأين الأمنُ حتى من حياتي
فقد فنيتْ وما خطبي بسِرّ
وتسلبني الكرى إلا لماماً
يدٌ من حيث لا أدري وأدري
وفي جنبيَّ إنسانٌ وروحٌ
وحبُّ الناسِ في جنبيَّ يسري
وقاكِ اللهُ شرّاً يا بلادي
سرتْ نيرانُه لحصاد عمري
ينازعني الحياةَ وفي ضلوعي
هوًى ضجّتْ به خفقاتُ صدري
وأيامي تَساقط من حياتي
كأوراقٍ ذوتْ والريحُ تذري
تَطامنَ دوحُها وهوى مُكِبّاً
وأجفلَ عنه تيّارٌ بنهر
وهُدِّمَ مؤنسُ الأعشاشِ فيه
فلم تهزج له أنغامُ طير
ولستَ ترى حواليه رُواءً
ولكنْ وحشةً وذبولَ زهر
يغالب محنتي أملٌ مُشِعٌّ
وتحيا في دمي عَزَماتُ حُرّ.
لقد أمتلك جمّاع رحمه الله ناصية اللغة العربية، كيف لا وهو المشتغل بتدريسها منذ تخرجه، ولديه قدرة فائقة على تخيّر كلماته لتكون كل كلمة هي الأمثل للتعبير عن مراده في كل مقطع شعري، ودونكم سياقه البديع المذهل:
أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا!
ياااااه
يالجمال الكلمات، ويالسموّ المبنى والمعنى، هكذا كان حال جماع مع محبوبته، يراها بين يديه كل يوم تغدو وتروح بكل بهائها، لكنها تبقى-عنه- بعيدة المنال…
لماذا ياتُرى؟!
أيكون السبب في ذلك الفارق الاجتماعي بينهما؟
لا ليس ذلك هو السبب، اذ يسمو شاعرنا باحاسيسه ويبلغ مبلغا عجيبا عندما يقول:
أعلى الجمال تغار منّا؟!!!
adilassoom@gmail.com
مشاركة الخبر علي :