الدكتور / إبراهيم عبد الله ابراهيم يكتب؛ سلسله مقالات الحكمة رُؤَى قَضَائِيَّةٌ وَعِبَرٌ نَبَوِيَّةٌ
. 📚 ✒️ 📚
*ملتقى العلماء (معا)*
*SCHOLARS FORUM*
السودان - الخرطوم
*==============*
💫💫💫✨✨💫💫💫
*⚜️سلسلة مَحَارِيبُ الحِكْمَةِ:*
*رُؤَى قَضَائِيَّةٌ وَعِبَرٌ نَبَوِيَّةٌ ⚜️*
*(المَقَالُ الأَوَّلُ: نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ)*
📜 المَشْهَدُ الأَوَّلُ: عَهْدُ المُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ.. كِتَابُ المَوَاعِظِ وَشَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ
تبدأ رحلة نبي الله داود عليه السلام من نقطة تحول تاريخية وفارقة في مسيرة بني إسرائيل؛ فبعد جَسارته ويقينه الديني الذي تكلل بقتله لـ "جالوت"، حَظِيَ بمصاهرة الملك "طالوت"، ليتوجّه الله تعالى بأعظم هبة: جَمْع النبوة والملك والتمكين.
وفي هذا السياق التشريعي والدستوري الفريد، أنزل الله عليه الزبور. والزبور في حقيقته ليس كتاب تشريع يتضمن أحكام الحلال والحرام، بل هو كتاب حِكَمٍ، ومواعظ، ورقائق، وتهذيب للنفوس، وإصلاح للقلوب.
⚜️ملمح دستوري: بناءً على طبيعة كتاب الزبور الوعظية، كان نبي الله داود يحكم قومه بالأحكام التشريعية الواردة في التوراة (في صورتها النقيّة قبل التحريف)، ممّا يوضح تكامل المنهج التربوي (الزبور) مع المنهج القانوني السلطوي (التوراة) لإقامة ركائز الدولة.
🎵 المَشْهَدُ الثَّانِي: الأُورْكِسْتْرَا الكَوْنِيَّةُ.. عِنْدَمَا تَخْشَعُ الطَّبِيعَةُ لِلتَّسْبِيحِ
أوتيَ داود عليه السلام حنجرةً هي الأجمل، وصوتاً تذوب له الجمادات خضوعاً؛ فكان يتلو الزبور بأكثر من سبعين لحناً وطريقة تفيض خشوعاً. لم يكن صوته مجرد جمال عابر، بل كان طاقة روحية هزّت أركان المادة:
والطيرُ محشورة: كانت الطيور والوحوش تتزاحم وتتجمع في فضاء محرابه، مأخوذةً بجلال التلاوة.
يا جبالُ أُوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر: صدر الأمر الإلهي للكون الصامت أن يتناغم مع هذا الصوت النديّ، فكانت الجبال تُردد وتُسبّح، والطيور تُغرّد بالتسبيح تَبَعاً له، في سيمفونية كونية بديعة.
بِالعَشِيِّ وَالإِشْرَاق: تسبيح دائم يمتد من بعد العصر إلى غسق الليل، ومن وقت الضحى الباكر.
كُلٌّ لَهُ أَوَّاب: منظومة مطيعة، خاشعة، ومتناغمة في محراب العبودية لله وحده.
🛡️ المَشْهَدُ الثَّالِثُ: الصِّنَاعَةُ العَسْكَرِيَّةُ وَتَقْنِيَّةُ "السَّرْدِ" الرَّبَّانِيَّةِ
لم تكن نبوة داود سلبية عاجزة، بل اقترنت بالتمكين الصناعي والهندسي لدعم أمن الدولة وحماية جيشها.
«وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيد»
وهب الله داود معجزة في كفّيه وقوة أعصاب خارقة، فكان يشكّل الحديد الصلب بيده دون حاجة لمطارق أو نيران، كأنه صلصال ناعم. وجاء التوجيه الإلهي بتطوير الدروع الحربية:
أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ: وهي الدروع التامة السابغة التي تغطي الصدر والجسد بالكامل لحمايته.
📀وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ: تقنية هندسية دقيقة علمها الله إياه، تقوم على حساب مقادير المسامير وحلقات الموازنة بدقة؛ لربط مقدمة الدرع بنهايته، بحيث يجمع الدرع بين الحصانة والمتانة وخفة الحركة للمقاتل.
⚖️ المَشْهَدُ الرَّابِعُ: عَبْقَرِيَّةُ القَضَاءِ وَفَصْلِ الخِطَابِ
من المنظور القضائي العالي، تميز عهد داود عليه السلام بـ العدل المطلق ورجاحة العقل التي جعلته ملجأ المتخاصمين وحبيب الرعية:
«وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ»
كان يمتلك يقيناً وقوة منطق، وقدرة استثنائية على تبيين الحق من الباطل، فكان الخصوم يخرجون من مجلسه راضيين مطمئنين لحكمه، لما يلمسونه من حكمة بالغة وفصلٍ قاطع للنزاع لا لَبْس فيه.
🚪 المَشْهَدُ الخَامِسُ: النَّازِلَةُ القَضَائِيَّةُ وَالامْتِحَانُ فِي المِحْرَابِ
في ليلة من ليالي تعبده وانقطاعه، تسوّر المحرابَ خصمان تخطيا الأسوار والحراس، ففزع منهما...
📀الاستفزاز المبدئي: قالا له: (لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ)، وهي كلمات تحمل في طياتها جفاءً واستفزازاً لمقام القاضي والنبي.
📀طرح الدعوى: قال أحدهما مَجازاً: (إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ). أي أقنعني بالحيلة والضغط، أو هددني بالقوة لأتنازل عنها لتنضم إلى غنمه.
التسرّع الإنساني: تأثر داود عليه السلام بظاهر المظلمة واندفع قائلاً: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ).
وفور نطق الحكم، تبخر الرجلان واختفيا! هنا أدرك داود أنهما مَلَكان هبطا في صورة بشر، ليقدما له درساً قضائياً أبدياً: ضرورة عدم التسرع في الحكم، ووجوب سماع الطرف الآخر مهما بدا الطرف الأول مظلوماً.
🕋 المَشْهَدُ السَّادِسُ: التَّوْبَةُ وَالإِنَابَةُ وَالخِلافَةُ فِي الأَرْضِ
«وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ»
أسرع داود بالتوبة والسجود، فغفر الله له هذا العجَل، ورفعه منزلةً عالية: (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ).
▫️ العِبر المستخرجة من أخطاء الأنبياء:
📀التعليم بالأسوة: الأنبياء معصومون من الكبائر والخطايا المخلة بالرسالة، لكن يقع منهم "ترك الأولى" أو الاجتهاد الإنساني؛ ليكون ذلك تشريعاً ودرساً للبشرية.
📀وراثة الحكمة:
كان هذا الدرس تهيئةً لداود ليورث ابنه سليمان عليه السلام من بعده الحكمة وفصل القضاء.
📀طبيعة العلاقات
الإنسانية: وضّحت الآية طبع الشّح البشري: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ).
🏛️ الخَاتِمَةُ: مِيثَاقُ الخِلافَةِ وَالقَضَاءِ الدُّسْتُورِيِّ
📀تتوّج القصة بالنداء الإلهي الخالد الذي يعد دستوراً لكل قاضٍ وحاكم ومسؤول على وجه الأرض:
«يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ»
📀إنها الرسالة الأعظم؛ فالقضاء أمانة، والسلطة تكليف، والعدل أساس الملك. ومهما بلغ الحاكم أو القاضي من درجات الحكمة والعلم، يظل بحاجة إلى التثبّت، وتجنّب الهوى، والوقوف عند حدود الحق النّاصع، مستحضراً دائماً مخافة يوم الحساب.
💫💫💫✨✨💫💫💫
✍️ بقلم
*📀الدكتور /إبراهيم عبد الله إبراهيم حسين*
*📀قاضي المحكمة القومية العليا*
*📀أستاذ النظم السياسية والقانون الدستوري* *والدراسات التأصيلية الإسلامية*
💫💫💫✨✨💫💫💫
مشاركة الخبر علي :