*في السودان على أقل تقدير...* *هل فقد كأس العالم سحره وبريقه؟!!* --------------------------------- *(رؤية خاصة من مشاهد سوداني يتابع منافسات كأس العالم ٢٠٢٦ بالقطاعي... وبنصف مزاج!!)* --------------------------------- ----------------

*مدخل:* *أغدا ألقاك!!* *وغدا تتألف الجنة أنهارا وظلا* *وغدا تسمو فلا نعرف للغيب محلا* *وغدا ننسى فلا نقسى على ماض تولى* *وغدا للحاضر (البائس) نحيا... ليس إلا* *قد يكون الغيب حلوا...* *إنما الحاضر الذي نعيشه ونتنفسه في هذا الزمان، فحكمه في علم الغيب!!* *(تغيير طفيف جدا في مفردات قصيدة الشاعر السوداني الراحل الهادي آدم، التي تغنت بها كوكب الشرق أم كلثوم على المسرح القومي السوداني في أواخر ستينيات القرن الماضي بالعاصمة السودانية الخرطوم، ليتسق مع هذا المقال، وهي إشارة لا تغيب عن فطنة القارئ الكريم)... أين نحن الآن من الخرطوم جنة رضوان، ومن المسرح القومي السوداني؟!!* --------------------------------- *بحكم انتمائي للوسط الرياضي، وممارستي لكرة القدم على مستوى أندية العيلفون، كهواية في فترة من حياتي، وما زال يسكنني الحنين إلى متابعة المستديرة وأخبارها وتطورها على المستويات المحلي والإقليمي والدولي، أستطيع أن أقدم بانوراما سريعة عن كأس العالم، وكيف تبدلت متعته عبر السنين، ولماذا أشعر أن البطولة فقدت كثيرا من بريقها القديم ومذاقها وطعمها ولونها، خاصة بالنسبة للمشاهد السوداني العاشق لكرة القدم ومنتخب البرازيل. وكانت بلده من الدول المؤسسة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) في خمسينيات القرن الماضي، ثم تقهقر مستواه ووقف في المحطة الأولى، دون أن يكون له نصيب مع دول إفريقية وعربية سبقها تاريخا وعدة وعتادا.* *وسأتجاوز بطولات البدايات، وأبدأ من مونديال ١٩٧٠ الذي أقيم في المكسيك، والذي توجت به البرازيل بقيادة الأسطورة بيليه.* *📗 في عام ١٩٧٠، ونحن أطفال صغار، كنا نتابع مباريات كأس العالم عبر الإذاعة فقط، عن طريق المذيع المصري خفيف الظل والروح، المرحوم الكابتن محمد لطيف، ولم يكن النقل التلفزيوني المباشر متاحا في السودان، وربما في رقعة كبيرة من العالم.* *📗 ومع مرور السنوات بدأ البث التلفزيوني ينتشر تدريجيا، وانتقل من الأبيض والأسود إلى عالم الألوان والبهرجة والإخراج الذي نشاهده الآن، وأصبحت مباريات كأس العالم تُشاهد مجانا عبر القنوات المفتوحة حتى أواخر التسعينيات.* *📗 بعد ذلك دخلت القنوات المشفرة، وأصبحت متابعة المونديال مرتبطة بالاشتراكات، ففقد كثير من الناس متعة المشاهدة المجانية.* *📗 ومع ذلك ظل كأس العالم محافظا على هيبته وجاذبيته.* *📗 في كل دورة كان يولد نجم جديد يملأ الدنيا ويشغلها حديثا وإبداعا.* *📗 شاهدنا بيليه، الجوهرة السوداء، ويوهان كرويف، ومارادونا، وزيكو، وسقراط، وكاريكا، وروبرتو باجيو، ورونالدو، وزين الدين زيدان، والألماني غيرد مولر، والقيصر الألماني فرانز بيكنباور، ورونالدينيو، وميسي، وكريستيانو رونالدو... وغيرهم من السحرة الذين منحوا الكرة نكهتها الخاصة.* *📗 في تلك الأيام لم تكن هناك تقنية الفار، أو (كدايس)، التي يرى كثير من الجماهير أنها أفقدت اللعبة جانبا من عفويتها، وأنها حققت الانضباط الصارم غير المرغوب في لعبة تمثل الفهلوة والشيطنة جزءا مهما من ثقافتها، ولم تكن التوقفات المتكررة تقطع إيقاع المباريات كما يحدث اليوم.* *📗 كما لم تكن هناك استراحات كثيرة أو توقفات متلاحقة، فكانت المباريات أكثر انسيابية وإثارة.* *أما ما يجعلني أرى أن البطولة الحالية فقدت الكثير من رونقها، فيتمثل في الآتي:* *📗 تتساقط المنتخبات العربية والإفريقية، كالعادة، كما تتساقط أوراق الخريف.* *📗 ابتعاد الثلاثي الذي اعتاد الحضور في الأدوار النهائية؛ ألمانيا، وإيطاليا، والبرازيل بسحرها الكروي المعهود.* *📗 زيادة عدد المنتخبات المشاركة، الأمر الذي أثر على جودة المنافسة في بعض المباريات.* *📗 استمرار احتكار القنوات المشفرة لحقوق البث، مما حرم ملايين البسطاء من الاستمتاع بالمونديال.* *📗 توقيت إقامة المباريات الذي لا يناسب بتاتا كثيرا من المشاهدين في السودان، إذ تقام بعض المباريات في أنصاف الليالي أو مطلع الفجر.* *📗 تدخل مراكز القوى في الدولة المستضيفة، أحيانا، في الشؤون الفنية لكرة القدم، وهو أمر لا يخدم اللعبة ولا روح المنافسة.* *📗 كما يرى كثير من المتابعين أن بعض القرارات التحكيمية أصبحت محل جدل واسع، رغم وجود تقنية الفار.* *📗 لم تعد البطولة تقدم في كل دورة ذلك العدد الكبير من النجوم الذين يتركون بصمتهم في ذاكرة الجماهير كما كان يحدث في السابق.* *📗 والدلالة على ذلك أن النجمين المخضرمين، ميسي وكريستيانو رونالدو، ما زالا يمثلان آخر جيل العمالقة الذين فرضوا حضورهم على الساحة الكروية لسنوات طويلة.* *📗 أصبح حراس* *المرمى يلعبون أدوارا* *حاسمة في نتائج* *منتخباتهم،كما رأينا في* *بطولات كأس العالم الحالية، حيث كان تألق بعض الحراس كلمة السر في استمرار منتخباتهم وبلوغها أدوارا متقدمة.* *أما في السودان، فإن متعة متابعة كأس العالم أصبحت أقل من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب التشفير أو توقيت المباريات، وإنما أيضا بسبب ظروف الحرب وما خلفته من آثار نفسية واقتصادية، إلى جانب انقطاع التيار الكهربائي، وتراجع الاستقرار، وتعكر المزاج العام.* *والشاهد أن قطبي الكرة السودانية، الهلال والمريخ، يخوضان منافساتهما خارج الديار، وكادت الندية التاريخية بين المريخاب والهلالاب أن تتلاشى رويدا رويدا، وتوقفت دار الرياضة أم درمان العتيقة عن الدوران وتفريخ النجوم...جفت الميادين والحدائق، وذبلت الأزهار*. *وكيف لا يحدث هذا، والمنظومة الكروية السودانية فاقدة البوصلة تماما على أرفع مستوياتها، فلا تخطيط ولا تفكير استراتيجي بعيد المدى يعيدها إلى ألقها ومجدها، وهي تحتاج إلى ثورة رياضية عارمة تقتلع أسباب هذا التراجع من جذورها، وتغير موجهاتها ومفاهيمها.* *وأخيرا، أكتب هذا الكلام وقد لفت نظري أن منتخب الأرجنتين، أحد الفرق القوية المرشحة لنيل الكأس في نسختها الحالية، يكاد يخلو من اللاعبين ذوي البشرة السمراء. وقد يكون الأمر عاديا لو حدث هذا في منتخبي إنجلترا أو ألمانيا أو الدنمارك، فهذه أصلا بلاد (الحمرة أباها المهدي!!)، ولكن أن يكون ذلك في قارة أمريكا الجنوبية، المعقل الثاني بعد إفريقيا للاعبين أصحاب البشرة السمراء، وإذا رفعت "طوبة" في* *دول أمريكا الجنوبية* *تجد لاعبا أسمر موهوبا، كما يشير المثل الشعبي* *عند اهلنا في دار فور (شنقلي طوباي تلقي دهباي !!) فإن الأمر يثير أكثر من تساؤل!!* *ومعظم اللاعبين النجوم الأفذاذ الذين تخرجوا من هذه القارة كانوا من أصحاب البشرة السمراء، وعلى رأسهم جوهرة الكرة ومعجزتها، بيليه!!!* *لكل هذه الأسباب، ومن واقع تجربة امتدت لعقود مع متابعة كأس العالم، أستطيع أن أقول إن متعة المونديال لم تعد كما كانت لدي، ولدى الكثيرين أمثالي. وربما تطورت كرة القدم من الناحية الفنية والتنظيمية، لكن شيئا من روحها القديمة، وبساطتها، وسحرها، قد غاب، ولذلك يبقى في النفس حنين دائم إلى ذلك الزمن الجميل الذي عشنا تفاصيله جيلا بعد جيل* *في امان الله وحفظه* *مبارك صباحي* *الاربعاء الموافق* *٢٠٢٦/٧/١٥* ---------------
مشاركة الخبر علي :