بقلم د.سعاد فقيري مئوية كلية العلوم بجامعة القاهرة... عندما يكتب العلم تاريخ الأمم


ليست كل مائة عام مجرد احتفال بمرور الزمن، فهناك مئويات تُقاس بعدد السنين، وأخرى تُقاس بحجم ما صنعته من عقول، وما أنجبته من علماء، وما قدمته لأوطانها وللإنسانية.
ومن هذا النوع تأتي مئوية كلية العلوم بجامعة القاهرة، التي احتفلت بمرور قرن كامل من الريادة العلمية، لتؤكد أن المؤسسات العريقة لا يخلدها عمرها، وإنما يخلدها أثرها.
فمنذ تأسيسها عام 1925، لم تكن كلية العلوم مجرد مؤسسة تمنح درجات علمية، بل كانت مصنعًا للعلماء، ومنارةً للفكر، وحاضنةً للبحث العلمي، ومركزًا لإنتاج المعرفة التي أسهمت في نهضة مصر والعالم العربي وأفريقيا.
وجاء الاحتفال بالمئوية متزامنًا مع تكريم الحاصلين على درجات الماجستير والدكتوراه والدبلومات، في رسالة بليغة مفادها أن الأمم لا تبني مستقبلها إلا بالعلم، وأن الباحثين هم الثروة الحقيقية التي لا تنضب، وأن الاستثمار في الإنسان يظل أعظم استثمار تصنعه الدول.
ولعل أكثر ما أضفى على هذه المناسبة بُعدًا عربيًا وأفريقيًا هو الحضور السوداني المشرف، الذي جسّد عمق العلاقات بين الشعبين الشقيقين.
فقد شارك المستشار الثقافي بسفارة جمهورية السودان بالقاهرة، الدكتور عاصم حسن أحمد، في تأكيد واضح لاهتمام السودان بتعزيز التعاون الأكاديمي والعلمي مع مصر، وإيمانه بأن التعليم والبحث العلمي يمثلان أقوى جسور التواصل بين البلدين.
كما سجلت جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا حضورًا متميزًا، ممثلة في البروفيسور محمد آدم عميد الدراسات العليا، والدكتورة رئيس قسم الكيمياء مي مكي، والأستاذة كارولين إدوارد امين امانة الشؤون العلمية في مشهد يعكس حرص الجامعات السودانية على البقاء جزءًا من الحركة العلمية العربية رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان.
وفي وقت يسعى فيه السودان إلى إعادة بناء مؤسساته بعد الحرب، تبدو الجامعات أكثر المؤسسات قدرة على قيادة مشروع النهضة الوطنية، فإعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما تبدأ بالعقول، وبالعلماء، وبالباحثين، وبالشراكات الأكاديمية مع المؤسسات العلمية العريقة، وفي مقدمتها جامعة القاهرة.
لقد أثبتت مصر، عبر تاريخها، أنها كانت ولا تزال الحاضنة الطبيعية للطلاب السودانيين، وأن جامعة القاهرة ظلت بيتًا علميًا احتضن آلاف السودانيين الذين عادوا إلى وطنهم حاملين رسالة العلم والمعرفة، وأسهموا في بناء مؤسسات الدولة السودانية في مختلف المجالات.
إن ما يجمع السودان ومصر ليس فقط نهر النيل، ولا الجغرافيا، ولا التاريخ، بل يجمعهما أيضًا إرث علمي وثقافي عريق، صنعت الجامعات جزءًا كبيرًا منه، ولذلك فإن الاستثمار في التعاون الجامعي والبحث العلمي هو استثمار في مستقبل البلدين معًا.
أكد حجم الاهتمام الذي حظيت به المئوية، وحرص الجامعة على أن يكون الاحتفال ملتقى للعلم والثقافة والإعلام والفن، لأن بناء الإنسان مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جميع هذه القوى.
إن مئوية كلية العلوم ليست احتفالًا بماضٍ مجيد فحسب، وإنما إعلانٌ عن بداية قرن جديد من الريادة، ورسالة إلى الجامعات العربية بأن المنافسة الحقيقية لم تعد في عدد المباني، وإنما في جودة البحث العلمي، والابتكار، والقدرة على صناعة المعرفة.
فالجامعات التي تصنع العلماء هي التي تصنع الأوطان، والأوطان التي تكرم علماءها هي التي تستحق المستقبل.
تحية لجامعة القاهرة وهي تطفئ شمعة المائة الأولى، وتوقد شمعة القرن الثاني، وتحية لكل باحث وعالم حمل رسالة العلم، وتحية خاصة للحضور السوداني الذي أكد أن العلاقات السودانية المصرية ستظل راسخة ما دام العلم هو لغتها، والمعرفة هي جسرها، والمستقبل هو غايتها.
مشاركة الخبر علي :