بقلم .د.سعاد فقيري بين اجتماع المسؤولين... وأطباء على رصيف الانتظار
لا شك أن الاجتماع الذي جمع المستشار الطبي لسفارة السودان بالقاهرة الدكتور خضر فيصل أبوبكر، ورئيس اتحاد أطباء السودان الدكتور عبدالله عبدالكريم عثمان، مع الأمانة العامة لـ اتحاد الأطباء العرب، يمثل خطوة إيجابية نحو إعادة بناء جسور التعاون الصحي العربي مع السودان، خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها الوطن.
فالحديث عن إعادة تأهيل المستشفيات، واستئناف برامج التدريب، وتخصيص تخفيضات للأطباء السودانيين، واستضافة الخرطوم للمؤتمر العلمي العربي في عام 2027، كلها مؤشرات تبعث على الأمل بأن القطاع الصحي بدأ يستعيد اهتمام المؤسسات الرسمية.
لكن، وبينما كانت قاعات الاجتماعات تناقش مستقبل القطاع الصحي، كان هناك مشهد آخر لا يقل أهمية... بل ربما كان أكثر إلحاحًا.
هناك في القاهرة، وعلى امتداد أربع سنوات كاملة، يقف مئات من خريجي كليات الطب المصرية من السودانيين على رصيف الانتظار.
انتظارٌ لا يتعلق بالوظيفة، ولا بالامتيازات، ولا بالمكاسب المالية.
إنه انتظار لحقهم الطبيعي في استخراج ترخيص مؤقت أو إكمال إجراءات التدريب، حتى يصبحوا أطباء يمارسون المهنة التي درسوا من أجلها سنوات طويلة.
هؤلاء الشباب لم يقصروا في واجبهم، ولم يتخلفوا عن تحصيلهم العلمي، ولم يطلبوا استثناءً.
كل ما يريدونه أن تنتهي رحلة الانتظار التي استهلكت من أعمارهم أربع سنوات كاملة.
والمفارقة المؤلمة أن السودان اليوم يعيش واحدة من أكبر الأزمات الصحية في تاريخه؛ مستشفيات دمرتها الحرب، ونقص حاد في الكوادر الطبية، وهجرة واسعة للأطباء، بينما توجد كوادر مؤهلة جاهزة للعمل، لكنها عاجزة عن خدمة وطنها بسبب إجراءات إدارية لم تجد طريقها إلى الحل.
لقد كان من أكثر ما لفت الانتباه في بيان الاجتماع الحديث عن "معالجة التحديات المتعلقة بتراخيص مزاولة المهنة وإكمال التدريب".
وهنا يتجدد الأمل...
لكن هذا الأمل لن يكتمل بالبيانات وحدها، وإنما يحتاج إلى جدول زمني واضح، وقرارات تنفيذية عاجلة، تعيد الثقة إلى هؤلاء الشباب الذين بدأت سنوات الانتظار تسرق منهم العمر والخبرة والانتماء.
إن هؤلاء الخريجين ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم أحد أهم استثماراتها.
لقد أنفقت أسرهم سنوات من الكفاح، وأنفقوا أعمارهم في الدراسة، ليعودوا اليوم حاملين العلم والخبرة، فيجدوا الأبواب موصدة.
أي خسارة أكبر من أن يهاجر الطبيب بعد سنوات من الانتظار لأن وطنه لم يمنحه فرصة البداية؟
وأي تناقض أكبر من أن نبحث عن دعم المنظومة الصحية، بينما نعجز عن الاستفادة من كوادرها الجاهزة؟
إننا لا نطالب بالمستحيل، وإنما نطالب بأن تتحول نتائج هذا الاجتماع إلى بداية حقيقية لإنهاء معاناة خريجي الطب السودانيين في مصر، وأن تكون قضيتهم أول بند في أجندة الإصلاح الصحي.
نداء إلى أصحاب القرار
إلى السيد وزير الصحة الاتحادي...
وإلى المستشار الطبي بالسفارة...
وإلى مجلس التخصصات الطبية...
وإلى كل من شارك في هذا الاجتماع...
لقد استمعتم إلى ملفات إعادة بناء القطاع الصحي.
فاستمعوا أيضًا إلى أنين أبنائكم.
اجعلوا أول ثمار هذا اللقاء قرارًا ينهي أربع سنوات من الانتظار.
امنحوا هؤلاء الأطباء حقهم في التدريب والترخيص.
فقد آن للوطن أن يسترد أبناءه، قبل أن يفقدهم إلى الأبد.
إن الطبيب الذي ينتظر منذ أربع سنوات لا يحتاج إلى خطاب جديد، بل يحتاج إلى توقيع قرار.
ولا يحتاج إلى وعود، بل إلى فرصة.
فالأوطان لا تعيد بناء مستشفياتها بالحجارة وحدها، وإنما تبنيها بأطبائها.
وأول الطريق... أن ننزل أطباء السودان من رصيف الانتظار إلى ساحات العمل، حيث ينتظرهم وطن جريح يحتاج إلى كل يدٍ مخلصة، وكل عقلٍ تعلم ليخدم شعبه.
مشاركة الخبر علي :