الدكتور/ أسامة محمد ابراهيم يكتب : ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ (قراءة في التحولات السودانية في ضوء السنن القرآنية )
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
(قراءة في التحولات السودانية في ضوء السنن القرآنية)
يقول الله تعالى في محكم تنزيله:
( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ)
سورة البقرة، الآية (61)
ليست آيات القرآن الكريم سجلاً لأحداث الماضي، ولا سرداً لتاريخ أمم خلت، وإنما هي سننٌ ربانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتبقى مرآةً تقيس بها الأمم أحوالها، وتراجع بها مساراتها، وتدرك من خلالها أسباب النهوض وأسباب الانحدار. ويظل القرآن يخاطب الإنسان في كل عصر بسنن لا تنقضي بانقضاء الوقائع والأحداث، بل تتجدد كلما تشابهت الأسباب والنتائج. ومن أعظم تلك السنن قوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، وهي ليست مجرد عتاب لبني إسرائيل على اختيار نوع من الطعام، وإنما قاعدة حضارية تحكم مصائر الأمم حين تستبدل عناصر القوة بعوامل الضعف، ومقومات البناء بأسباب الهدم.
فالقرآن لم يجعل القضية في العدس والبصل والقثاء، وإنما في منهج التفكير الذي يجعل الإنسان يفرط في النعمة الكبرى طلباً لما هو أقل منها قيمة. ولهذا جاء الإنكار الإلهي شديداً؛ لأن الاستبدال لم يكن بين صنفين من الطعام، وإنما بين مرتبة ومرتبة، وبين نعمة ربانية وما هو أدنى منها.
ليس كل تغييرٍ إصلاحاً، فالتغيير الذي يفقد الأمة عناصر قوتها ليس انتقالاً إلى الأفضل، وإنما استبدالٌ للذي هو أدنى بالذي هو خير. والأمم لا تنهار لأنها أرادت الإصلاح، وإنما لأنها أخطأت التمييز بين الإصلاح والاستبدال.
وعندما نتأمل المشهد السوداني خلال السنوات الأخيرة، نجد أن هذه القاعدة القرآنية تفرض نفسها بقوة، لا بوصفها حكماً على الأشخاص أو المراحل، وإنما باعتبارها معياراً موضوعياً لقياس النتائج. فالأمم لا تُقاس بالشعارات التي رفعتها، وإنما بالواقع الذي انتهت إليه.
لقد واجه السودان، قبل أن يدخل مرحلة الانهيار، تحديات سياسية واقتصادية حقيقية، وكانت هناك مطالب بالإصلاح والتغيير، وهي مطالب مشروعة في أصلها. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا طالب الناس بالتغيير؟ وإنما: ماذا كانت حصيلة هذا التغيير؟ وهل انتقل السودان إلى وضع أفضل، أم استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
وهنا تبدو الصورة أكثر وضوحاً عند قراءة ما جرى في السودان من خلال مفهوم الاستبدال.
استبدل السودان احتكار الدولة للقوة ووحدة المؤسسة العسكرية بتعدد القوى المسلحة وتعدد مراكزها، بعدما كان احتكار الدولة للقوة أحد أهم مقومات بقاء الدولة وسيادتها، فإذا بالسلاح ينتقل من كونه أداة لحماية الدولة إلى أحد أبرز مصادر تهديدها.
واستبدل مركز القرار الواحد بتعدد المرجعيات ومراكز التأثير، حتى أصبح اتخاذ القرار نفسه جزءاً من الأزمة، بعد أن كان وسيلة لإدارة الدولة، وغدت تباينات المواقف وتداخل الصلاحيات عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد الوطني.
واستبدل قدراً من الاستقرار الأمني بحربٍ امتدت إلى معظم أنحاء البلاد، فأصبحت مدنٌ كانت تنبض بالحياة مسارح للقتال، ومناطق آمنة ساحاتٍ للنزوح والخوف، وتحوّل الأمن، الذي كان يُنظر إليه بوصفه أمراً مستقراً، إلى مطلبٍ يومي يسعى إليه المواطن.
واستبدل استقرار العملة الوطنية بتراجعٍ متواصل في قيمتها، وارتفاعٍ غير مسبوق في الأسعار، وتضخمٍ أرهق المواطن، وأضعف القوة الشرائية، ووسّع دائرة الفقر، وألقى بأعباء المعيشة على كاهل الأسر في مختلف أنحاء البلاد.
واستبدل الإنتاج والإعمار بالإغاثة والطوارئ، بعد أن تحولت أولويات الدولة من التنمية وبناء الاقتصاد، وتهيئة بيئة الاستثمار، وخلق فرص العمل، إلى معالجة آثار الحرب، وتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية، والاستجابة لأزمات النزوح واللجوء.
واستبدلت المدارس والجامعات في مناطق واسعة بمراكز للإيواء والنزوح، وتوقفت العملية التعليمية لملايين الطلاب، لتفقد أجيال كاملة جزءاً مهماً من حقها في التعليم، في واحدة من أخطر الخسائر التي يمكن أن تصيب مستقبل الأمم.
واستبدلت حركة الاستثمار وإعادة البناء بمشاهد الدمار الواسع التي طالت البنية التحتية، والمصانع، والمستشفيات، وشبكات الكهرباء والمياه والطرق، وهي خسائر لا تُقاس فقط بحجم الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، وإنما بما أحدثته من تراجع في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، وما ستتركه من آثار ممتدة على التنمية والاستقرار لسنوات طويلة.
واستبدل كثير من السودانيين يقين المستقبل بقلق الانتظار، وأمل البناء بهاجس النجاة، بعد أن أصبحت الأولوية لدى ملايين الأسر الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن والمعيشة، بدلاً من التخطيط للمستقبل وصناعة الغد.
وإذا كان بنو إسرائيل قد استبدلوا المنّ والسلوى بالعدس والبصل، فإن الأمم المعاصرة قد تستبدل الأمن بالفوضى، والمؤسسات بالشعارات، والدولة بالصراع، والاقتصاد بالإغاثة، والاستقرار بالمجهول. فالاستبدال لا يتعلق بالطعام، وإنما بمنظومة كاملة من القيم والمصالح والخيارات.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن كثيراً من هذه التحولات لم تكن أهدافاً سعى إليها أحد، لكنها كانت نتائج عملية لمسارٍ فقد تدريجياً القدرة على تقدير كلفة الانتقال، وإدارة التغيير، وحماية مؤسسات الدولة. فالفرق كبير بين إصلاح الدولة وهدمها، وبين تغيير السلطة والمحافظة على كيان الدولة، وبين معالجة الأخطاء وإسقاط الأسس التي يقوم عليها الاستقرار الوطني.
وهنا تتجلى دقة التعبير القرآني؛ إذ لم يقل: أتستبدلون شيئاً بشيء، وإنما قال: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، لأن معيار المقارنة ليس مجرد الاختلاف، وإنما قيمة النتيجة. فقد يكون البديل جديداً، لكنه أدنى. وقد يكون القديم بحاجة إلى إصلاح، لكنه خير من الفوضى التي تليه.
ولا يعني ذلك أن كل ما كان في الماضي مثالياً أو خالياً من الأخطاء، فالتاريخ البشري لا يعرف الكمال، لكن الحكمة تقتضي أن يكون الإصلاح إضافةً إلى البناء، لا معولاً لهدمه، وأن يكون التغيير انتقالاً إلى وضع أفضل، لا جسراً إلى انهيار أشمل.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى مراجعة هادئة وشجاعة، لا تقوم على تصفية الحسابات، وإنما على استخلاص الدروس. فالأمم العاقلة لا تخجل من الاعتراف بأخطائها، لأن الاعتراف بداية التصحيح، أما الإصرار على إنكار النتائج فلا ينتج إلا مزيداً من الخسائر.
لقد كان إنكار موسى عليه السلام سؤالاً لبني إسرائيل، لكنه بقي سؤالاً مفتوحاً لكل أمة تأتي بعدهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. وليس السؤال اليوم موجهاً إلى التاريخ، بل إلى حاضر السودان ومستقبله. فالأوطان لا تحفظها كثرة الشعارات، وإنما حسن الاختيار بين ما يبني الدولة وما يهدمها، وبين ما يزيد الأمة قوة وما يجرّدها من عناصرها. وما لم تُراجع الأمم خياراتها قبل فوات الأوان، فقد تستيقظ يوماً لتكتشف أنها لم تخسر نظاماً سياسياً فحسب، وإنما خسرت وطناً كاملاً. ويبقى السؤال الذي طرحه القرآن قبل قرون قائماً في كل زمان، ينتظر إجابة الأمة: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
الجمعة 24 يوليو 2026م
مشاركة الخبر علي :