بقلم د.سعاد فقيري الزاد لو ما كفِي البيت... يحرم على الجيران رسالة مفتوحة إلى والي الولاية الشمالية
أثار إعلان تبرع والي الولاية الشمالية بمبلغ 25 مليون جنيه لطلاب سودانيين في تركيا موجة واسعة من الاستغراب والاستنكار، ليس لأن دعم الطلاب عملٌ غير نبيل، بل لأن الأولويات في إدارة المال العام يجب أن تبدأ من داخل الولاية نفسها، حيث ينتظر آلاف المواطنين خدمات أساسية لا تزال دون المستوى المطلوب.
لقد لخّص المثل الشعبي السوداني هذه الحكمة ببلاغة حين قال: "الزيت لو ما كفى البيت يحرم على الجيران." وهي ليست دعوة إلى الأنانية، وإنما قاعدة في حسن إدارة الموارد وتقديم الأولويات.
سعادة الوالي…
الولاية الشمالية تضم قرى تحتاج إلى مياه شرب آمنة، ومدارس تحتاج إلى التأهيل، ومستشفيات ومراكز صحية تفتقر إلى الأجهزة والأدوية، وشبابًا يبحثون عن فرص عمل، ومزارعين يواجهون تحديات الإنتاج والري. أليس هؤلاء أولى بأن تُوجَّه إليهم موارد الولاية؟
إن المال العام ليس مالًا شخصيًا، ولا يُصرف بدافع العاطفة أو المجاملة، وإنما تحكمه مسؤولية قانونية وأخلاقية، ويجب أن يوجه وفق احتياجات المواطنين الذين ائتمنوا المسؤول على إدارة شؤونهم.
ولا أحد يعترض على مساعدة الطلاب السودانيين في الخارج إذا كانت هناك ضرورة إنسانية، لكن مثل هذا الدعم ينبغي أن يكون عبر مؤسسات الدولة الاتحادية، أو من خلال صناديق خاصة، أو مبادرات مجتمعية، لا من ميزانية ولاية لها التزاماتها وأولوياتها.
إن الإدارة الرشيدة تعني أن يسأل المسؤول نفسه قبل أي قرار: هل أدى واجبه تجاه مواطني ولايته أولًا؟ وهل اكتملت الخدمات الأساسية حتى أتجه إلى الإنفاق خارج نطاق مسؤولياتي المباشرة؟
إن المواطنين اليوم لا يريدون قرارات تحقق صدى إعلاميًا، وإنما يريدون قرارات تُحدث أثرًا ملموسًا في حياتهم اليومية.
لذلك، فإن هذه الواقعة تمثل فرصة لمراجعة سياسات الإنفاق وترتيب الأولويات، وتعزيز مبدأ الشفافية، وإشراك المجالس التشريعية والرقابية والرأي العام في متابعة أوجه صرف المال العام.
ختامًا:
فإن خدمة المواطن داخل الولاية ليست خيارًا، بل هي الواجب الأول للمسؤول.
وإذا استقامت الأولويات، استقامت الإدارة، وإذا حُسن تدبير المال العام، كسبت الحكومة ثقة الناس.
فالزيت، قبل أن يصل إلى الجيران، يجب أن يكفي أهل البيت.
مشاركة الخبر علي :