إلى وزير التجارة: من أين تسللت السلع المخالفة إلى أسواق السودان؟ بقلم/ د. سعاد فقيري
معالي وزير التجارة السوداني المحترم،
نكتب إليكم اليوم من موقع العتاب المسؤول، لا من موقع الاتهام، ومن الحرص على الدولة والمواطن والاقتصاد الوطني، لا من الرغبة في تسجيل موقف عابر.
فالسوق السوداني اليوم لا يحتمل مزيداً من الفوضى، ولا يحتمل أن تتحول صحة المواطن ومدخراته إلى مجال مفتوح للسلع مجهولة المصدر أو غير المطابقة للمواصفات.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
إذا كانت الدولة تملك قوانين للمواصفات والمقاييس، وإجراءات للفحص المسبق، وشركات تفتيش دولية، ومنافذ جمركية وأجهزة رقابية، فمن أين دخلت السلع غير المطابقة للمواصفات إلى الأسواق السودانية؟
هذا السؤال ليس ترفاً، بل هو سؤال دولة.
أين حدث الخلل؟
الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس تؤكد أن السلع المستوردة تخضع لإجراءات مطابقة، وأن هناك اشتراطات للفحص قبل الشحن، بل إن الإجراءات المعلنة تشمل التفتيش في بلد المنشأ، وتحديد أرقام التشغيلات، وإجراء الاختبارات في مختبرات معتمدة، ومراجعة شهادات الفحص قبل السماح بالشحن.
كما أعلنت الهيئة أن النصف الأول من عام 2026 شهد إصدار آلاف شهادات المطابقة وتنفيذ أكثر من 15 ألف زيارة تفتيشية، وأن نسبة مطابقة الواردات بلغت 97%، مع تنفيذ حملات مشتركة مع الجمارك والأمن الاقتصادي ومباحث التموين لضبط السلع المخالفة.
وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
ماذا عن الـ3% غير المطابقة؟ وأين انتهت؟ وكيف تسللت بعض السلع المخالفة إلى المستهلك؟
بل إن السؤال الأهم:
هل المشكلة في التشريع؟ أم في التنفيذ؟ أم في المنافذ؟ أم في بعض المستوردين؟ أم في تزوير المستندات والشهادات؟ أم في ضعف التنسيق بين الجهات؟ أم في كل ذلك معاً؟
معالي الوزير... هذا هو موضع العتاب
العتاب هنا ليس لأن وزارة التجارة مطالبة بأن تقوم بكل شيء، وإنما لأن المواطن ينظر إلى الدولة باعتبارها منظومة واحدة.
فالمواطن لا يعرف أين توقفت مسؤولية وزارة التجارة وأين بدأت مسؤولية الجمارك، ولا أين تنتهي مسؤولية المواصفات والمقاييس وتبدأ مسؤولية الأجهزة الرقابية.
هو يعرف شيئاً واحداً:
اشتريت سلعة من السوق السوداني، ويجب أن تكون الدولة قد ضمنت سلامتها ومطابقتها.
ومن هنا فإن وجود القوانين والإجراءات وحده لا يكفي.
الدولة القوية ليست التي تضع اللوائح فقط، وإنما التي تضمن تنفيذها.
كيف دخلت هذه السلع؟
هناك عدة منافذ محتملة يجب التحقيق فيها بصورة مؤسسية، دون توجيه اتهام مسبق لأي جهة:
أولاً: التلاعب في المستندات
قد تصل السلعة بمستندات تبدو سليمة، بينما تختلف محتويات الشحنة فعلياً عن البيانات المقدمة.
ولهذا فإن الاعتماد على الورق وحده لم يعد كافياً.
ثانياً: تغيير السلعة بعد الفحص
وهذه ثغرة يجب إغلاقها تماماً.
إذا تم فحص عينة أو شحنة في بلد المنشأ، ثم جرى استبدال جزء منها أو تغيير التشغيلات أو الكميات قبل الشحن، فإن شهادة المطابقة تفقد قيمتها.
ولهذا جاءت أهمية تسجيل أرقام التشغيلات وتوثيق عملية التفتيش بالصور والفيديوهات، وهي إجراءات أعلنتها الهيئة بالفعل.
ثالثاً: التهريب عبر المنافذ غير الرسمية
لا يمكن معالجة مشكلة السلع المخالفة إذا بقيت هناك حركة تجارية خارج النظام الرسمي.
فكل سلعة تدخل خارج المنافذ الرسمية تعني أن الدولة فقدت إحدى أهم حلقات الرقابة.
رابعاً: ضعف الربط الإلكتروني
إذا كانت بيانات وزارة التجارة والمواصفات والمقاييس والجمارك والموانئ والأجهزة الرقابية منفصلة، فإن الثغرات ستظل قائمة.
المطلوب أن تعرف الدولة:
من استورد؟ ماذا استورد؟ من أين؟ وبأي شهادة؟ وأين وصلت الشحنة؟ ولمن بيعت؟
خامساً: ضعف الرقابة داخل الأسواق
ليس كافياً أن نفحص السلعة عند الميناء ثم نغادرها.
الرقابة يجب أن تستمر من:
بلد المنشأ → الميناء → المخزن → التاجر → الموزع → السوق → المستهلك.
فالمواصفة ليست شهادة تعلق على الورق، وإنما حماية مستمرة للمستهلك.
ماذا نريد من وزارة التجارة؟
نريد الانتقال من رد الفعل إلى الرقابة الاستباقية.
ونقترح إنشاء نظام قومي لتتبع السلع المستوردة، بحيث تحصل كل شحنة على رقم إلكتروني موحد، مرتبط ببيانات المستورد والمصدر وشهادة المطابقة ورقم التشغيلية والمنفذ والكمية.
وعند وصول السلعة إلى السوق، يستطيع المفتش بمجرد مسح الرمز الإلكتروني معرفة تاريخها الرقابي.
ثانياً: إنشاء غرفة عمليات مشتركة
تضم:
وزارة التجارة.
الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس.
الجمارك.
وزارة الصحة للسلع الصحية والغذائية.
الأمن الاقتصادي.
مباحث التموين.
سلطات الموانئ والمنافذ.
الجهات المعنية بحماية المستهلك.
وتكون مهمتها متابعة حركة السلع عالية الخطورة بصورة يومية.
ثالثاً: قائمة سوداء للمستوردين المخالفين
من يثبت تعمده إدخال سلع غير مطابقة لا ينبغي أن يعاقب بغرامة بسيطة ثم يعود إلى السوق.
بل يجب أن تكون هناك درجة للمخاطر:
مستورد ملتزم → إجراءات مبسطة.
مستورد متوسط المخاطر → فحص مشدد.
مستورد متكرر المخالفة → فحص شامل.
مستورد متعمد للغش → إيقاف الترخيص والمساءلة القانونية.
رابعاً: تشديد الرقابة على بلد المنشأ
لا ينبغي أن تكون كل الدول والمصانع والموردين في درجة واحدة من الثقة.
هناك مصانع عالمية معروفة، وهناك مصانع وموردون مرتفعو المخاطر.
لذلك يجب إنشاء تصنيف للمصانع والموردين والدول وفق سجل المطابقة والمخالفات.
خامساً: فحص ما بعد الإفراج
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
حتى بعد الإفراج عن السلعة، يجب أن تكون هناك رقابة لاحقة مبنية على المخاطر.
فإذا دخلت شحنة من سلعة معينة وظهرت منها مخالفات في السوق، يجب أن يتم تتبعها فوراً وسحب التشغيلات ذات الصلة.
سادساً: سحب السلعة المخالفة من السوق
عند اكتشاف سلعة غير مطابقة، يجب ألا نكتفي بمصادرة الكمية الموجودة أمام المفتش.
بل يجب أن نعرف:
من استوردها؟
كم كانت الكمية؟
أين وزعت؟
من هم الموزعون؟
وفي أي ولايات وصلت؟
ثم يصدر قرار استدعاء وسحب شامل للمنتج من الأسواق.
سابعاً: إعلان أسماء المخالفين وفق القانون
المواطن شريك في الرقابة.
وعندما يثبت قانوناً أن شركة أو مستورداً أدخل سلعة مخالفة، فمن حق المجتمع أن يعرف ذلك، وفق الضوابط القانونية، حتى لا يعود المستهلك للتعامل معه.
لا نريد حملات موسمية
المشكلة أن الرقابة الموسمية لا تبني سوقاً منضبطاً.
قد تبدأ حملة، وتتم مصادرة كميات، وتصدر البيانات، ثم تعود المشكلة بعد فترة.
نحن نريد نظاماً مؤسسياً لا حملة مؤقتة.
نريد مؤشرات أداء شهرية تعلن بوضوح:
عدد الشحنات المفحوصة.
عدد الشحنات المرفوضة.
أنواع المخالفات.
الدول والمصانع الأعلى خطورة.
عدد الحملات داخل الأسواق.
كمية السلع المسحوبة.
عدد البلاغات التي تمت إحالتها للقضاء.
نسبة الاستجابة لشكاوى المواطنين.
وهذا ممكن، خاصة أن الهيئة لديها بالفعل إدارات للمواصفات والمطابقة والرقابة والمختبرات والتفتيش.
المواطن ليس الحلقة الأضعف
معالي الوزير،
المواطن السوداني دفع ثمناً باهظاً خلال الحرب.
خسر منزله ومدخراته ووظيفته وأمنه في كثير من الحالات.
فلا يجوز أن يأتي بعد ذلك إلى السوق ليجد سلعة مغشوشة أو منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمواصفات، فيدفع ثمنها من ماله وصحته.
إن حماية المستهلك ليست خدمة ثانوية.
إنها جزء من الأمن القومي الاقتصادي والصحي.
والاقتصاد الذي يسمح بدخول السلع الرديئة يقتل المنتج الوطني، ويعاقب التاجر الملتزم، ويكافئ المهرب والمحتال.
رسالة أخيرة إلى معالي الوزير
نحن لا نريد وزيراً يطارد المخالفات بعد وقوعها فقط.
نريد وزيراً يقود إعادة هندسة منظومة التجارة والاستيراد والرقابة.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى دولة تعرف كل سلعة تدخل حدودها، وكل مستورد يتعامل معها، وكل شهادة تصدر باسمها، وكل شحنة تصل إلى أسواقها.
والسؤال الذي ينبغي أن يكون على مكتب معالي الوزير الآن ليس:
كم سلعة ضبطنا؟
بل:
لماذا وصلت السلعة المخالفة أصلاً إلى السوق؟
فإذا عرفنا نقطة الخلل، عالجناها.
وإذا عرفنا الجهة المقصرة، أصلحناها.
وإذا وجدنا ثغرة في القانون، أغلقناها.
وإذا وجدنا فساداً، حاسبنا صاحبه.
وإذا وجدنا ضعفاً في التنسيق، وحدنا المنظومة.
السودان بعد الحرب لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والمصانع والأسواق؛ بل يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
وحماية المواطن من السلعة الفاسدة أو المغشوشة أو غير المطابقة للمواصفات هي واحدة من أبسط صور هذه الثقة.
نريد سوقاً سودانياً آمناً، وتجارة منضبطة، ومستوردًا مسؤولاً، ورقابة لا تنام، وقانوناً لا يُستثنى منه أحد.
فالدولة التي تحمي حدودها من السلاح والمخدرات، يجب أن تحمي أسواقها أيضاً من السلع التي تهدد صحة المواطن وتستنزف ماله وتقتل الصناعة الوطنية.
معالي الوزير... العتاب اليوم مسؤولية، والمعالجة غداً واجب، والنتيجة التي ينتظرها المواطن هي:
“لا تدخل سلعة إلى السودان إلا وهي معلومة المصدر، واضحة المسار، مطابقة للمواصفة، ومسؤولة الجهة التي أدخلتها.”
مشاركة الخبر علي :