حين يعود المعلم والطالب… يعود السودان إلى بناء نفسه بقلم/ د. سعاد فقيري
في ٢٦أغسطس ٢٠٢٦م [ تي نيوز الاخبارية ]، اتخذ وزير التعليم و التربية الوطنية، التهامي الزين حجر، خطوة إيجابية بتشكيل لجنة لتنظيم العودة الطوعية للمعلمين والطلاب السودانيين وأسرهم من القاهرة وأسوان والإسكندرية إلى السودان.
وهي خطوة، وإن جاءت متأخرة، فإنها تستحق التقدير والدعم؛ لأن عودة المعلم والطالب ليست قضية مواصلات وترحيل، وليست مجرد تفويج لأسر عائدة إلى الوطن، وإنما هي جزء أصيل من معركة السودان الكبرى: معركة استعادة الإنسان وبناء الدولة بعد الحرب.
وتشير المعلومات المنشورة حول القرار إلى أن اللجنة ستتولى حصر الراغبين في العودة، وتسجيل بيانات المعلمين والطلاب وأسرهم، وإعداد قاعدة بيانات، والتنسيق مع اللجنة العليا للعودة الطوعية التابعة للسفارة السودانية بالقاهرة، إلى جانب ترتيب وسائل النقل وجدولة الرحلات وفق الولايات التي ينحدر منها العائدون.
وهنا نقول للوزارة: هذه بداية صحيحة، ولكن المطلوب ألا تتوقف عند اللجنة.
عودة المعلم ليست عودة فرد… بل عودة مدرسة
المعلم السوداني الذي اضطرته الحرب إلى مغادرة وطنه لم يغادر وحده؛ فقد حمل معه خبرة سنوات، ورسالة تعليم، وذاكرة مدرسة، وقدرة على صناعة أجيال.
ولذلك فإن عودته إلى السودان يجب ألا تُعامل باعتبارها عودة موظف إلى وظيفته، بل باعتبارها استرداداً لثروة وطنية بشرية.
لقد دفعت الحرب ثمناً باهظاً في التعليم، وألحقت أضراراً بالمدارس والبنية التعليمية، وشتّت الطلاب والمعلمين، وأوجدت أوضاعاً تعليمية استثنائية داخل السودان وخارجه.
وفي المقابل، بذلت مصر جهوداً مهمة في استضافة السودانيين، كما شهدت أسوان، على سبيل المثال، برامج ومبادرات تعليمية وتدريبية للجالية السودانية، بما فيها تدريب وتأهيل المعلمين.
ومن هنا فإن العودة يجب أن تكون عودة منظمة تحفظ للمعلم كرامته، وللطالب حقه، وللأسرة أمنها واستقرارها.
لا نريد عودة عشوائية… نريد عودة ذكية
أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نعتبر أن نجاح العودة يقاس بعدد الحافلات التي عبرت الحدود.
لا.
نجاح العودة يقاس بما يحدث بعد وصول الحافلة.
أين سيذهب المعلم؟
أين سيعمل؟
هل المدرسة التي سيعود إليها قائمة؟
هل هناك سكن؟
هل هناك راتب منتظم؟
هل توجد بيئة تعليمية آمنة؟
وماذا عن أبناء المعلم وأسرته؟
وأين سيجلس الطالب الذي عاد من مصر؟ وفي أي صف؟ وكيف ستتم معادلة سنوات دراسته؟ وكيف نضمن ألا تضيع عليه سنة دراسية أخرى؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تجيب عنها وزارة التربية والتعليم.
قاعدة بيانات وطنية… قبل أن تتحرك الحافلات
ومن أهم ما ورد في القرار، الاتجاه إلى حصر وتسجيل بيانات المعلمين والطلاب وأسرهم.
وهذا أمر بالغ الأهمية.
فالسودان اليوم يحتاج إلى قاعدة بيانات دقيقة للعقول والكوادر التي خرجت بسبب الحرب.
نحن لا نعرف فقط عدد المعلمين الذين عادوا، بل نحتاج أن نعرف:
تخصصاتهم، سنوات خبرتهم، درجاتهم الوظيفية، الولايات التي ينتمون إليها، المدارس التي كانوا يعملون بها، أماكن وجودهم الحالية، رغبتهم في العودة، احتياجاتهم، وأماكن العجز التعليمي داخل السودان.
وبالمثل بالنسبة للطلاب:
العمر، الصف الدراسي، المدرسة السابقة، الولاية، المواد التي درسها، مستوى التحصيل، وأي احتياجات تعليمية خاصة.
هذه البيانات يمكن أن تتحول إلى خريطة وطنية للموارد البشرية التعليمية، تساعد الوزارة في توزيع المعلمين والطلاب وفق الاحتياجات الفعلية، بدلاً من القرارات العشوائية.
العودة الطوعية يجب أن تتحول إلى مشروع دولة
لقد آن الأوان أن نتعامل مع العودة الطوعية بمنطق مختلف.
العودة ليست نهاية الرحلة.
العودة هي بداية رحلة جديدة.
عودة المواطن إلى السودان دون خدمات، ودون مدرسة، ودون صحة، ودون أمن، ودون مصدر دخل، قد تجعل العودة مؤقتة أو تدفع البعض إلى المغادرة مرة أخرى.
لذلك فإن وزارة التربية والتعليم مطالبة بأن تعمل في منظومة واحدة مع:
وزارة الداخلية والجهات المختصة بالأمن.
وزارة النقل.
وزارة الصحة.
وزارة المالية.
حكومات الولايات.
السفارات والقنصليات السودانية.
اللجنة العليا للعودة الطوعية.
المنظمات الوطنية والدولية ذات الصلة.
فالطالب لا يعود وحده، والمعلم لا يعود وحده، وإنما تعود أسرة كاملة تحتاج إلى منظومة متكاملة من الخدمات.
وللوزارة نقول: لا تتركوا المعلم عند الحدود
من الضروري وضع برنامج واضح لاستقبال المعلمين العائدين.
يبدأ من لحظة تسجيل الاسم، ويمر بالنقل، ثم الاستقبال، ثم التوزيع، ثم تسكين الأسرة، ثم إلحاق المعلم بموقع العمل، مع وضع حوافز للمعلمين الذين يعودون إلى المناطق الأكثر احتياجاً.
كما ينبغي وضع برنامج إعادة تأهيل وتحديث مهني للمعلمين العائدين، خاصة أن سنوات الحرب أفرزت واقعاً تعليمياً جديداً يحتاج إلى مهارات جديدة في التعامل مع الأطفال الذين عاشوا ظروف النزوح والحرب.
المعلم اليوم لا يحتاج فقط إلى أن يقف أمام السبورة.
إنه يحتاج إلى أن يكون مربياً، وداعماً نفسياً، وصانع أمل، وحاملاً لمشروع إعادة بناء الإنسان السوداني.
والطلاب… لا تجعلوا الحرب تسرق مستقبلهم
أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب هو أن تسرق من الطفل سنواته الدراسية.
لذلك يجب أن تتضمن العودة مساراً تعليمياً مرناً للطلاب العائدين من مصر، يضمن عدم ضياع سنوات الدراسة، ويضع آليات واضحة للامتحانات والمعادلات والقبول والتوزيع على المدارس.
كما يجب الاستفادة من التجربة التعليمية التي عاشها الطلاب في مصر، وعدم النظر إليها باعتبارها مرحلة منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من المسار التعليمي الذي يجب استيعابه داخل النظام السوداني.
رسالة تقدير… ورسالة عتاب
نقول لوزير التربية والتعليم:
شكراً على هذه الخطوة.
فالقرار يمثل اتجاهاً صحيحاً نحو معالجة ملف ظل يحتاج إلى تدخل مؤسسي واضح.
لكن في الوقت نفسه نقول:
لقد تأخرنا كثيراً.
وكل يوم تأخير في إعادة المعلم والطالب إلى منظومة التعليم السودانية يعني مزيداً من الفاقد التعليمي، ومزيداً من الضغط على الأسر، ومزيداً من الفجوات التي سيدفع السودان ثمنها لسنوات طويلة.
ولهذا فإن المطلوب الآن ليس فقط تشكيل لجنة، وإنما خطة وطنية عاجلة لعودة الكوادر التعليمية والطلاب السودانيين من الخارج.
خطة لها جدول زمني.
ولها ميزانية.
ولها قاعدة بيانات.
ولها مسؤوليات محددة.
ولها مؤشرات قياس.
ولها جهة تتابع التنفيذ وتحاسب على التقصير.
السودان لا يُبنى بالحجر وحده
نحن نتحدث كثيراً عن إعادة إعمار السودان.
نبني الطرق والمستشفيات والكهرباء والمطارات والمدارس.
لكن علينا أن نتذكر أن أعظم ما نعيد بناءه هو الإنسان.
فالمدرسة بلا معلم مجرد مبنى.
والجامعة بلا أستاذ مجرد قاعات.
والوطن بلا إنسان متعلم قادر على النهوض مجرد جغرافيا.
لذلك فإن عودة المعلمين والطلاب يجب أن تكون واحدة من أولويات مرحلة ما بعد الحرب.
بل يجب أن نذهب أبعد من ذلك، وأن نطلق مشروعاً وطنياً بعنوان:
“عودة العقول إلى السودان”
لا يقتصر على المعلمين والطلاب، وإنما يشمل الأطباء والمهندسين والأساتذة والباحثين والخبراء وكل الكفاءات السودانية التي اضطرتها الحرب إلى الخارج.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى عودة الناس إلى الأرض.
السودان يحتاج إلى عودة العقول التي ستعيد بناء الأرض.
كلمة أخيرة
القرار خطوة في الاتجاه الصحيح.
ونحن نؤيدها ونشجعها، ونطالب بالبناء عليها.
لكننا لا نريد أن تكون العودة مجرد حافلات تعبر الحدود.
نريدها أن تكون مشروعاً وطنياً يعيد الإنسان إلى وطنه، والمعلم إلى مدرسته، والطالب إلى مقعده، والأسرة إلى حياتها، والسودان إلى مستقبله.
فبعد أن أرهقت الحرب الوطن، لا يجوز أن نخسر جيلاً كاملاً بسبب الفوضى والتأخير.
أعيدوا المعلم… يعود التعليم.
أعيدوا الطالب… يعود المستقبل.
وأعيدوا العقول… يبدأ السودان من جديد.
مشاركة الخبر علي :