حين يجلس السودان إلى طاولة الحوار… لا بد أن يكون العقد مُحكماً بقلم/ د. سعاد فقيري
لم يعد السودان يحتمل حواراً جديداً يبدأ بالخطب وينتهي بالبيانات، ولا مؤتمراً تتعدد فيه المنابر وتختلف فيه الأصوات ثم يخرج الجميع بتوصيات جميلة لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
السودان اليوم يحتاج إلى حوار يؤسس للدولة، لا حواراً يعيد إنتاج الأزمة؛ حواراً يعرف من يشارك فيه، ولماذا يشارك، وما الذي يحق له أن يناقش، وما الذي لا يجوز أن يكون محل مساومة، وكيف تتحول مخرجاته من أوراق إلى التزامات وبرامج تنفيذ.
فالقضية ليست في أن نجمع أكبر عدد ممكن من السودانيين حول طاولة واحدة، وإنما في أن نعرف كيف نشكل هذه الطاولة، ومن يجلس إليها، وبأي صفة، وتحت أي ضوابط، وإلى أي نتيجة نريد أن نصل.
من يمثل السودان؟
أول أخطاء أي حوار وطني أن يتحول إلى سباق بين الأحزاب والحركات والقوى السياسية على عدد المقاعد، وكأن السودان لا يتكون إلا من النخب السياسية.
السودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من الحركات المسلحة، وأكبر من النخب التي اعتادت احتكار الحديث باسمه.
لذلك يجب أن يكون الحوار شاملاً، ولكن الشمول لا يعني الفوضى.
ينبغي أن يضم الحوار القوى السياسية والمدنية، والحركات المسلحة، والإدارات الأهلية، والنقابات والمهن، والأكاديميين والخبراء، والمرأة والشباب، والنازحين واللاجئين، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات الوطنية المستقلة، مع مراعاة التوازن الجغرافي والاجتماعي.
لكن المشاركة يجب ألا تكون مكافأة على امتلاك السلاح أو ارتفاع الصوت الإعلامي.
من يشارك يجب أن يملك مشروعاً، لا مجرد مطلب.
لا نريد حواراً يسأل: من يحكم السودان؟
لقد أرهقتنا السياسة حين اختزلت الوطن في سؤال السلطة.
السؤال الذي يجب أن يفتح به الحوار السوداني أبوابه ليس:
من يحكم السودان؟
وإنما:
أي سودان نريد أن نبني؟
فإذا اتفق السودانيون على شكل الدولة، ووحدة مؤسساتها، وسيادة القانون، واحتكار الدولة للسلاح، والعدالة، والتنمية، والتداول السلمي للسلطة، فإن سؤال من يحكم يصبح مسألة إجرائية يمكن أن يحسمها الدستور وصندوق الاقتراع.
أما أن نبدأ الحوار بتقاسم السلطة والمواقع، فإننا نعيد إنتاج الأزمة نفسها التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.
ميثاق قبل الحوار
قبل أن يجلس المتحاورون إلى الطاولة، يجب أن يوقعوا على ميثاق شرف وطني ملزم.
ميثاق يتعهد فيه الجميع باحترام وحدة السودان وسيادته، ورفض خطاب الكراهية والعنصرية والجهوية، والالتزام بالحل السلمي، واحترام الرأي الآخر، وعدم استخدام السلاح أو التهديد به لفرض المواقف، وقبول مخرجات الحوار وآليات تنفيذها.
ويجب أن يكون واضحاً:
لا تخوين، لا تشهير، لا تهديد، لا ابتزاز، ولا استخدام للحوار منصة لتصفية الحسابات.
فالاختلاف السياسي حق، أما إسقاط الدولة فليس حقاً.
الحوار يحتاج إلى لائحة… لا إلى النوايا الحسنة
النوايا الطيبة وحدها لا تكفي.
لابد من لائحة إجرائية تحدد بدقة:
من يحق له المشاركة.
مدة كل مداخلة.
آلية طرح المقترحات.
كيفية إدارة الخلاف.
كيفية التصويت.
آلية التوافق.
كيفية تسجيل المواقف المخالفة.
العقوبات على من يخل بقواعد الحوار.
آلية اعتماد التوصيات.
وآلية تنفيذها.
ولا يجوز أن يصبح الحوار ساحة للصراخ؛ فكل مشارك يجب أن يتحدث في حدود الزمن المحدد، ولا يسمح بالمقاطعة أو الإساءة أو الخروج المتكرر عن جدول الأعمال.
الحوار المنضبط ليس تقييداً للحرية، بل حماية للحوار نفسه.
لا أغلبية عابرة في قضايا الوطن المصيرية
هناك قضايا لا يجوز أن تحسم بأغلبية سياسية عابرة.
وحدة السودان، شكل الدولة، السلاح، الدستور، العدالة، وحقوق المواطن الأساسية، كلها قضايا تحتاج إلى توافق وطني واسع.
وفي المقابل، يمكن أن تخضع القضايا الإجرائية للتصويت وفق قواعد محددة مسبقاً.
بهذا نضمن ألا تتحول الديمقراطية إلى وسيلة لفرض إرادة مجموعة على بقية السودانيين.
التوصية التي لا تملك صاحباً… ليست توصية
هذه هي المعضلة التي يجب ألا تتكرر.
لقد امتلأت الساحة السودانية بتوصيات ومواثيق واتفاقات، ولكن السؤال ظل دائماً:
من ينفذ؟ ومتى؟ وكيف نراقب التنفيذ؟
لذلك يجب ألا تعتمد أي توصية إلا إذا تضمنت خمسة عناصر واضحة:
ماذا سنفعل؟
من ينفذ؟
متى ينفذ؟
من يمول؟
ومن يراقب؟
عندها فقط تتحول التوصية من كلام سياسي إلى برنامج عمل وطني.
منع الانسحاب من أن يصبح سلاحاً لتعطيل الحوار
يجب أيضاً وضع آلية واضحة للتعامل مع انسحاب أي طرف.
فالانسحاب حق سياسي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حق في إسقاط الحوار كله.
تمنح للمنسحب فرصة للعودة، وتُجرى وساطة لتقريب وجهات النظر، لكن لا يجوز لطرف واحد أن يمتلك حق الفيتو على مستقبل السودان.
السودان ليس رهينة لأي حزب أو حركة أو جماعة أو شخصية.
من الحوار إلى العقد الوطني
وأقترح ألا ينتهي الحوار ببيان ختامي طويل سرعان ما تنساه الذاكرة السياسية.
بل يجب أن ينتهي إلى «العقد الوطني السوداني»، يتضمن:
أولاً: مبادئ الدولة السودانية.
ثانياً: اتفاقاً واضحاً لإنهاء الحرب وبناء السلام.
ثالثاً: مشروعاً لإصلاح مؤسسات الدولة.
رابعاً: برنامجاً لإعادة الإعمار والتنمية.
خامساً: خارطة طريق للانتقال السياسي والدستوري والانتخابات.
ثم تُنشأ آلية وطنية مستقلة لمتابعة التنفيذ، ترفع تقارير دورية للرأي العام، لأن الشعب السوداني ليس معنياً فقط بما اتفق عليه السياسيون، وإنما بما تحقق على الأرض.
لا حوار بلا خطوط حمراء
هناك ثوابت يجب ألا تكون موضوعاً للمساومة:
وحدة السودان.
سيادة الدولة.
سيادة القانون.
حقوق المواطن.
رفض العنصرية وخطاب الكراهية.
احتكار الدولة للسلاح المنظم وفق القانون.
وحدة المؤسسات النظامية ومهنيتها.
هذه ليست مواقف تفاوضية، وإنما هي أسس الدولة التي نريد بناءها.
الحوار الذي نحتاجه:
نحن لا نحتاج إلى حوار طويل بقدر ما نحتاج إلى حوار منتج.
ولا نحتاج إلى مئات المشاركين بقدر ما نحتاج إلى مشاركين حقيقيين يمثلون المجتمع ويحملون رؤية ومسؤولية.
ولا نحتاج إلى اتفاق يرضي الجميع في القاعة، وإنما إلى اتفاق يستطيع السودان أن يعيش به بعد خروج الجميع من القاعة.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بعد هذه الحرب هو أن نعيد إنتاج أسبابها داخل قاعة الحوار.
لذلك يجب أن ندخل الحوار بعقل الدولة، لا بعقل الحزب؛ وبمنطق المستقبل، لا بثأرات الماضي؛ وبالسؤال عن السودان، لا عن نصيب كل طرف من السودان.
نريد حواراً لا يوزع السلطة، بل يعيد بناء الدولة.
نريد حواراً لا ينتج هدنة مؤقتة، بل يصنع سلاماً مستداماً.
نريد حواراً لا ينتهي عند التوصيات، بل يبدأ منها.
فإذا جلس السودانيون إلى طاولة الحوار، فيجب ألا تكون الطاولة مجرد مكان للحديث.
بل يجب أن تكون الطاولة التي يُعاد عليها توقيع العقد بين المواطن والدولة، وبين الدولة والمستقبل.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا الحوار كله:
نختلف من أجل السودان، ولا نختلف على السودان.
مشاركة الخبر علي :