حين يهرب المسؤول من المشكلة… هناك من يذهب إليها أحمد مضوي والعيكورة: مسؤول يسمع، وقلم لا يترك أنين المظلومين خلفه بقلم/ د. سعاد فقيري
في زمنٍ أصبح فيه المواطن أحياناً يطوف بين المكاتب حاملاً شكواه، من إدارة إلى أخرى، ومن مسؤول إلى آخر، حتى يفقد الأمل في أن يجد من يسمعه، تصبح قيمة المسؤول الذي يستمع ثم يتحرك أكبر بكثير من قيمة المنصب الذي يجلس عليه.
وفي زمنٍ أصبح فيه بعض الأقلام يكتفي بنقل الخبر ثم ينتقل إلى خبر آخر، تظل قيمة الصحفي الذي يسمع شكوى المواطن، يكتب عنها، ثم يتابعها حتى تصل إلى أصحاب القرار قيمة استثنائية.
ومن هنا تأتي أهمية ما جرى بشأن قضية الطلاب السودانيين في الجامعات المصرية، وما صاحبها من تجاوب رسمي وتحركات لمعالجة الأزمة.
إنها ليست مجرد قضية رسوم دراسية.
إنها قضية أكبر بكثير.
إنها قضية كيف يجب أن تعمل الدولة عندما يواجه المواطن مشكلة؟
وكيف يجب أن يتصرف المسؤول عندما تصله شكوى تمس مستقبل أبنائنا؟
وكيف يجب أن يكون دور الصحافة عندما يطرق المواطن بابها بحثاً عن صوت؟
هناك مسؤولون ينتظرون المشكلة… وهناك مسؤولون يذهبون إليها
المسؤول الحقيقي لا ينتظر حتى تتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة كبيرة.
ولا ينتظر حتى تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي.
ولا ينتظر حتى يصبح الملف قضية رأي عام.
بل عندما تصله المعلومة، يسأل فوراً:
ما حقيقة الأمر؟
من المتضرر؟
ما أسباب المشكلة؟
ما الذي نستطيع فعله؟
وكيف نمنع تكرارها؟
وهنا تكمن قيمة المسؤول الذي لا ينهار أمام كثرة الملفات.
فالسودان اليوم ليس في مرحلة تسمح للمسؤول بأن يختبئ خلف الإجراءات البيروقراطية.
نحن أمام وطن أنهكته الحرب، وتضررت مؤسساته، وتشتت أبناؤه، وأصبح ملايين السودانيين في الداخل والخارج ينتظرون من مؤسسات دولتهم أن تستعيد دورها.
ولهذا فإننا نحتاج إلى مسؤولين يصنعون الحلول ولا يصنعون الأعذار.
أحمد مضوي… حين يتحول المنصب إلى أمانة
في قضية الطلاب السودانيين في مصر، جاء التجاوب مع المشكلة ليؤكد أن المسؤولية لا تعني مجرد إصدار القرارات.
المسؤولية تعني أن يشعر المسؤول بأن خلف كل ملف إنساناً له مستقبل وأسرة لها آمال.
الطالب الذي لا يستطيع دفع رسومه ليس رقماً في كشف حساب.
إنه شاب أو فتاة يحمل حلم الأسرة، ويحمل معه أمل وطن يحتاج إلى كل عقل وكل طبيب ومهندس وصيدلي ومعلم وباحث.
ومن هنا فإن الدفاع عن حق الطالب في مواصلة تعليمه ليس خدمة لفرد، وإنما استثمار في مستقبل السودان.
وإذا كان الوزير البروفيسور أحمد مضوي قد تعامل مع القضية من هذا المنظور، فإننا أمام نموذج يستحق التقدير.
فالمسؤول الذي لا يتهاوى أمام الأزمات، ولا يسمح لكثرة الملفات أن تفقده القدرة على اتخاذ القرار، هو مسؤول تحتاج إليه الدولة في هذه المرحلة.
وأظن أن مثل هؤلاء المسؤولين أصبحوا عملة نادرة.
بل إن ندرتهم تجعل واجبنا أكبر في أن نقول للمسؤول المجتهد:
أحسنت… استمر.
ليس لأننا نريد صناعة أصنام جديدة، وإنما لأننا نريد ترسيخ ثقافة جديدة في السودان:
نقدّر الإنجاز، ونحاسب التقصير.
العيكورة… القلم الذي لم يعتبر شكوى المواطن خبراً عابراً .
بل جعل العيكورة، في هذه القضية زاوية أخرى تستحق التقدير.
فالصحافة ليست فقط أن تكتب.
الصحافة أن تسمع.
والصحافة أن تتحقق.
والصحافة أن تنقل.
والصحافة أن تتابع.
والأهم أن يشعر المواطن أن هناك من يستطيع أن يحمل صوته عندما تعجز الوسائل الأخرى عن إيصاله.
فالعيكورة لم يتعامل مع شكاوى الأسر باعتبارها مادة إعلامية تنتهي بانتهاء النشر، وإنما حمل القضية إلى الرأي العام والجهات المختصة، وظل يتابع ما يمكن أن يحدث بعدها.
وهذا هو الفارق بين صحافة تبحث عن سبق، وصحافة تبحث عن حل.
الأولى قد تحقق آلاف المشاهدات.
أما الثانية فقد تغير حياة إنسان.
حين يلتقي القلم بالمسؤول… ينتصر المواطن
ما حدث بين الصحافة والمسؤول في هذه القضية يقدم لنا درساً مهماً.
ليس مطلوباً من الصحفي أن يكون خصماً دائماً للمسؤول.
وليس مطلوباً من المسؤول أن يعتبر الصحفي عدواً.
الصحافة ليست وزارة.
والوزارة ليست صحيفة.
لكل طرف دوره.
الصحفي يراقب ويسأل ويكشف ويطالب ويتابع.
والمسؤول يستمع ويتحقق ويقرر وينفذ ويحاسب.
وعندما يعمل الطرفان بمهنية ونزاهة، يكون المستفيد الأول والأخير هو المواطن.
وهكذا يجب أن تكون العلاقة:
صحافة قوية… لا صحافة مأجورة.
مسؤول قوي… لا مسؤول متسلط.
مواطن واعٍ… لا مواطن مستسلم.
مؤسسات قوية… لا أشخاص أقوياء فوق المؤسسات.
ليس المطلوب من المسؤول أن يكون معصوماً
وهنا لا بد من التأكيد على نقطة مهمة.
الإشادة بمسؤول لا تعني منحه حصانة من النقد.
والثناء على إنجاز لا يعني السكوت عن الخطأ.
والمسؤول الذي نريده ليس ذلك الذي لا يخطئ، وإنما الذي إذا أخطأ اعترف، وإذا قصّر أصلح، وإذا ظهرت مشكلة تحرك، وإذا اكتشف خللاً عالجه.
المسؤولية ليست عصمة.
المسؤولية هي قدرة على الإصلاح وتحمل المسؤولية.
ولهذا فإننا حين نشيد بأداء مسؤول، فإننا في الوقت نفسه نطالبه بالمزيد.
لأن من ننتظر منه الكثير، نطالبه بالكثير.
حقوق المواطن ليست منّة
من المهم أيضاً أن نتذكر أن حل مشكلة المواطن ليس منّة من المسؤول.
الطالب السوداني له حق في التعليم.
والمواطن له حق في الخدمة العامة.
والأسرة لها حق في أن تجد من يستمع إلى شكواها.
والمغترب السوداني له حق في أن يشعر أن دولته تقف إلى جانبه.
لكن هذه الحقوق تقابلها واجبات.
فالمواطن عليه أن يحترم القانون، وأن يقدم المعلومات الصحيحة، وألا يستغل الشكوى للإساءة أو الابتزاز، وأن يتعاون مع مؤسسات الدولة.
والصحفي عليه أن يتحرى الدقة، ويحترم الحقيقة، ويحمي مصادره، وألا يحول القلم إلى أداة لتصفية الحسابات.
والمسؤول عليه أن يستمع، ويتحقق، ويتصرف، ويشرح للمواطن ما تم اتخاذه من إجراءات.
المعادلة التي نحتاجها في السودان
نحن بحاجة إلى بناء منظومة متكاملة تجعل شكوى المواطن بداية لمسار مؤسسي، وليس بداية لمشوار من المعاناة.
نحتاج إلى:
مكاتب فعالة لاستقبال الشكاوى.
منصات إلكترونية للبلاغات والمتابعة.
مدد زمنية محددة للرد على شكاوى المواطنين.
جهات واضحة للمساءلة.
تقارير دورية عن القضايا التي تم حلها.
صحافة مهنية تراقب الأداء.
ومسؤولين لا يخافون من المواطن ولا يخافون من النقد.
فالدولة القوية ليست الدولة التي لا توجد فيها مشاكل.
بل الدولة التي تكتشف مشاكلها بسرعة وتحلها بكفاءة.
لا تقتلوا القدوة
من أخطر الأمراض التي أصابت مجتمعاتنا أن البعض أصبح يبحث عن عيوب الشخص حتى عندما يرى إنجازاً واضحاً.
إذا عمل المسؤول قالوا: يريد الشهرة.
وإذا صمت قالوا: عاجز.
وإذا اتخذ قراراً قالوا: يبحث عن النفوذ.
وإذا لم يتخذ قراراً قالوا: ضعيف.
وبهذه العقلية نقتل كل تجربة جيدة قبل أن تنضج.
نحن لا نطالب بتقديس المسؤول.
بل نطالب بالعدل.
من أخطأ نحاسبه.
ومن أصاب نشكره.
ومن اجتهد ندعمه.
ومن فشل نطالبه بالإصلاح.
هذه هي ثقافة الدولة.
السودان يحتاج إلى رجال دولة… لا أصحاب مواقع
لقد كشفت الحرب الكثير من نقاط ضعفنا.
وكشفت أيضاً أن السودان يمتلك رجالاً ونساءً قادرين على العمل عندما تتوفر لهم الإرادة.
لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى أكثر من ذلك.
تحتاج إلى رجال دولة.
ورجل الدولة لا يسأل:
“كم سأستفيد؟”
بل يسأل:
“ماذا سيستفيد الوطن؟”
ولا يسأل:
“من الذي طلب مني هذا؟”
بل يسأل:
“هل هذا حق للمواطن؟”
ولا يخاف من أن ينسب الفضل لغيره.
بل يسعده أن تُحل المشكلة، حتى لو لم يُذكر اسمه.
وهنا تكون الوطنية قد بلغت أرقى درجاتها:
أن تعمل من أجل الوطن دون حساب شخصي.
رسالتنا إلى أحمد مضوي
إلى البروفيسور أحمد مضوي:
إذا كان المواطن يجد فيك مسؤولاً يسمع شكواه، وإذا كانت القضايا حين تصل إليك تتحول من ملفات على المكاتب إلى حلول على الأرض، فاعلم أن تقدير الناس لك ليس مجاملة.
إنه تقدير لفكرة نحتاج أن نعيدها إلى الدولة السودانية:
المسؤول خادم للمصلحة العامة، والمنصب أمانة، والمواطن هو محور الدولة.
استمر.
واستمع.
ولا تجعل كثرة الأزمات تفقدك الحماس.
واجعل معيارك دائماً: ما الذي يمكن أن أفعله؟
ورسالتنا إلى العيكورة
الصحفي صبري :
واصل هذا الدور.
فالمواطن الذي لا يستطيع الوصول إلى المسؤول يحتاج إلى قلم يوصله.
والأسرة التي تخشى على مستقبل ابنها تحتاج إلى من يحمل قضيتها.
لكن حافظ دائماً على قوة القلم ونزاهته.
لا تجعل القلم خصماً لأحد… اجعله نصيراً للحقيقة.
فإذا كان المسؤول قد أحسن، قل أحسن.
وإذا أخطأ، قل أخطأ.
وإذا ظلم مواطناً، ارفع صوتك.
وإذا أنصف مواطناً، أنصفه أنت أيضاً.
فالصحافة التي لا تعرف إلا الهدم ليست صحافة وطنية.
والصحافة التي لا تعرف إلا المديح ليست صحافة حرة.
أما الصحافة التي تنتقد حين يجب، وتشكر حين يجب، وتتابع حتى يصل الحق إلى صاحبه، فهي التي يحتاج إليها السودان.
وفي الختام…
ربما تكون قضية الطلاب السودانيين في مصر واحدة من آلاف القضايا التي تواجه أبناء وطننا.
لكنها يمكن أن تكون أيضاً بداية لنموذج جديد.
نموذج يقول:
إذا اشتكى المواطن، وجد من يسمعه.
وإذا كتب الصحفي، وجد من يقرأ.
وإذا وصلت القضية إلى المسؤول، تحرك.
وإذا حدث خطأ، تم تصحيحه.
وإذا تحقق الإنجاز، تم تقديره.
هكذا تبنى الدولة.
لا بالصراخ وحده.
ولا بالمديح وحده.
ولا بالاتهام وحده.
بل بـ المسؤول الذي يعمل، والصحفي الذي يتابع، والمواطن الذي يراقب، والمؤسسة التي تحاسب.
ولذلك أقولها بوضوح:
لا تبخلوا على من يعمل من أجل الناس بكلمة حق.
ففي زمن كثرت فيه الحسابات، يصبح العمل بلا حساب بطولة.
وفي زمن كثرت فيه الأصوات، يصبح الاستماع فضيلة.
وفي زمن كثرت فيه الأقلام، يصبح القلم الذي يحمل مظلمة إنسان حتى تصل إلى صاحب القرار أمانة.
ولعل أحمد مضوي والعيكورة، كلٌّ من موقعه، يقدمان لنا نموذجاً لما نحتاجه: مسؤول يسمع ويعمل، وصحفي يسمع ويتابع.
والمطلوب منا جميعاً ألا نقتل هذه النماذج بالنقد الأعمى أو الحسابات الشخصية، بل أن نراقبها ونساند نجاحها ونحاسبها عندما تخطئ.
فالسودان الذي نريده لن يُبنى بأصحاب المصالح.
سيُبنى بأصحاب الرسالة.
وسيبقى أعظم معيار لأي مسؤول:
كم إنساناً أنصفت؟ وكم مشكلة حللت؟ وكم أملاً أنقذت؟
وعندها فقط يصبح المنصب أمانة، والعمل وطنية، والنجاح حقاً للمواطن قبل أن يكون مجداً لصاحبه.
مشاركة الخبر علي :