مجلس التنسيق السعودي -السوداني ... خطوة عملاقة نحو المستقبل (1) محمد التجاني عمر قش
لم يشكل البحر الأحمر، حاجزا يحول دون تواصل الشعوب في جزيرة العرب والبر الشرقي لإفريقيا على مر الزمان، بل كان وما يزال معبرا للناس والأفكار بين هاتين الكتلتين الجغرافيتين. ومنذ سالف الأزمان عبرت مجموعات من قبائل البلو العربية العريقة، ذات الأصل القضاعي، البحر الأحمر واستقرت في السواحل الغربية منه واختلطت مع البجاة وهم من سكان شرق السودان الأصليين، ومن هذا التمازج تشكلت طبقة حاكمة، وقوة سياسية ذات شوكة ونفوذ، بسطت سيطرتها على مساحات واسعة من تلك الديار. ومنذ ذلك التاريخ الباكر ظلت العلاقات متواصلة بين جزيرة العرب والسواحل الغربية لبحر القلزم. وفيما بعد نشأت مملكة الدكن الإسلامية، التي كانت حاكمة لقبائل بني عامر، وكان لها نفوذ واسع النطاق يمتد من سواكن وحتى دلتا نهر القاش وغيرها من المناطق.
ولعل هذا السبب هو الذي جعل الرسول، صلى الله عليه وسلم، يأذن لأصحابه، عندما أشتد عليهم العذاب والاضطهاد في مكة من قبل قريش، بالهجرة إلى الحبشة؛ لأن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد، ويعتقد كثير من المؤرخين أن الحبشة المقصودة هي مملكة أكسوم التي كانت تحكم أجزاء كبيرة من شرق السودان، بعد إسقاط ممالك النوبة القديمة، ومن ضمنها أرض البجا. ومن المعلوم أن الصحابة رضوان عليهم تخاطبوا مع النجاشي، رحمه الله، باللغة العربية حتى أنهم تلوا عليه آيات من سورة مريم في حضور القساوسة وفهموا معناها تماما!
وفي عهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أشار عليه عمر بن العاص بفتح مصر، وبعد ذلك أقدم عبد الله بن أبي السرح على التقدم جنوبا حتى وقع اتفاقية البقط مع ملك النوبة، وهي التي مهدت لاندياح القبائل العربية نحو السودان من البوابة الشمالية، بينما استمرت الهجرات العربية من الشرق عبر البحر الأحمر ومن الغرب عبر الصحراء الكبرى وشمال إفريقيا، ومن ثم برز المجتمع السوداني ذو الهوية العربية والإسلامية، وتوطدت علاقات السودانيين، الذين تهوي أفئدتهم إلى البلد الحرام في الحجاز، حيث مكة والمدنية، وقد عبروا عن شوقهم وحنينهم إليها في قصائدهم ومدائحهم النبوية بالشعر العامي والفصيح.
وفي عهد الدولة العثمانية ظلت أجزاء من شرق السودان، مثل ميناء سواكن تدار من جدة. وخلال كل تلك الفترات ظلت سواحل البحر الأحمر تتبادل المنافع والأفكار والوجود البشري سواء عن طريق باب المندب، والموانئ الواقعة على هذا الممر المائي مثل عيذاب وباضع وينبع والجار. وبشكل عام توثقت العلاقات بين أفريقيا والجزيرة العربية كذلك عن طريق الحج الذي يبدأ من داكار وتمبكتو ويمر عبر السودان حتى يصل إلى الأرضي المقدسة في المملكة العربية السعودية.
وكل هذه العوامل التاريخية والجغرافية أسهمت بشكل فعال في تمتين العلاقات بين الدولتين الشقيقتين وهما المملكة العربية وجمهورية السودان، وعبر التبادل الدبلوماسي بين البلدين تقاربت مواقفهما وتطابقت فيما يتعلق بكثير من المسائل الإقليمية والدولية والثنائية، وظلت القيادة السعودية الرشيدة داعمة للسودان في كل المحن والظروف القاسية التي مرت عليه، دون منِ ولا أذى، فما يربط بين البلدين الشقيقين ليس فقط المصالح المشتركة بل أواصر الدين واللغة والمصير الواحد.
وفي الحلقات القادمة سنتناول بالتفصيل سيرة العلاقات السودانية السعودية التي توجت مؤخرا بتوقيع اتفاقية مجلس التنسيق السعودي -السوداني، في الرياض بحضور وزيري خارجية البلدين، مع تسليط الضوء على أهم ملامح هذه الاتفاقية ذات البعد الاستراتيجي والتي يتوقع لها أن تكون خطوة عملاقة نحو مستقبل واعد يصب في مصلحة الطرفين.
مشاركة الخبر علي :