من يعمل في سفارة السودان بالقاهرة؟ نحو لائحة جديدة للتعيين والانتداب وإنهاء الترهل الوظيفي بقلم: د. سعاد فقيري
ليس السؤال اليوم: من هو السفير القادم إلى القاهرة؟
السؤال الأهم هو:
من يعمل داخل سفارة السودان بالقاهرة؟ وبأي معايير؟ ولماذا؟ وإلى متى؟
فالدبلوماسية ليست أشخاصاً فقط، والسفارة ليست مبنى، والوظيفة الدبلوماسية ليست امتيازاً دائماً.
إنها تكليف وطني ومسؤولية قانونية ومالية وأخلاقية.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، فإن مراجعة أوضاع بعثاته الدبلوماسية، وعلى رأسها سفارة السودان بالقاهرة، ليست ترفاً إدارياً، وإنما جزء من مشروع إصلاح الدولة.
سفارة القاهرة حالة خاصة
القاهرة ليست عاصمة عادية بالنسبة للسودان.
فهي ترتبط بالسودان بعلاقات تاريخية واستراتيجية، وتضم أعداداً كبيرة من السودانيين والطلاب، وتستقبل المرضى وأصحاب الأعمال والمستثمرين، كما أنها مركز للعمل العربي والدبلوماسي.
ولهذا يجب أن تكون سفارة السودان بالقاهرة من أكثر البعثات كفاءة وتنظيماً وانضباطاً.
لكن ذلك يتطلب أولاً أن نعرف:
ما الهيكل الحقيقي للسفارة؟
وكم عدد العاملين؟
وما الوظائف التي تحتاجها فعلياً؟
وما الوظائف التي تراكمت عبر السنوات؟
المشكلة ليست في الأشخاص.. بل في النظام
يجب أن نؤكد منذ البداية أن الحديث عن إصلاح التعيينات لا يعني التشكيك في وطنية أي موظف أو دبلوماسي.
فالكثير من العاملين في مؤسسات الدولة يؤدون واجبهم بإخلاص.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والتكليف المؤقت إلى إقامة دائمة، والوظيفة إلى حق مكتسب، والتعيين إلى مجاملة.
الدولة الحديثة لا تعمل بهذه الطريقة.
أولاً: حصر شامل للقوة العاملة
الخطوة الأولى يجب أن تكون إعداد كشف موحد ومراجع لجميع العاملين في السفارة وملحقياتها.
يتضمن:
الاسم.
المؤهل.
الوظيفة.
جهة التعيين.
تاريخ التعيين.
نوع التعيين.
مدة الخدمة.
الراتب والبدلات.
مصدر التمويل.
جهة الإشراف.
طبيعة المهام.
تقييم الأداء.
ولا يجوز أن يكون هناك موظف مجهول الوضع الوظيفي أو غير معروف الجهة التي يتبع لها.
ما لا يمكن حصره لا يمكن إصلاحه.
ثانياً: الفصل بين أربعة أنواع من العاملين
يجب أن تكون هناك قواعد واضحة تميز بين:
1. الدبلوماسي الموفد
موظف دولة يتم اختياره وفق قانون السلك الدبلوماسي ولوائحه، ويأتي إلى البعثة لمدة محددة.
2. الموظف المحلي
مواطن يتم تعيينه محلياً لحاجة وظيفية محددة، وفق منافسة ومعايير معلنة وعقد واضح المدة.
3. المتعاون
لا يستخدم إلا في حالات محددة ولحاجة مؤقتة، بعقد واضح ومدة محددة ومهام محددة.
4. الخبير أو المستشار
يتم الاستعانة به عند وجود حاجة تخصصية حقيقية، وبشروط مالية وزمنية واضحة.
والقاعدة التي يجب ألا تتغير:
لا يوجد عمل بلا وصف وظيفي، ولا تعيين بلا حاجة، ولا استمرار بلا تقييم.
ثالثاً: التعيين المحلي يجب أن يكون بالمنافسة
من أهم الإصلاحات المطلوبة وضع نظام موحد للتعيين المحلي.
تعلن الوظائف الشاغرة.
تحدد الشروط.
تراجع السير الذاتية.
تجرى مقابلات مهنية.
وتوثق النتيجة.
ولا يجوز أن يصبح التعيين المحلي وسيلة لاستيعاب الأقارب أو الأصدقاء أو المحسوبين على المسؤولين.
نريد أن نقول للشاب السوداني في القاهرة:
إذا كنت مؤهلاً، فباب السفارة مفتوح لك عبر المنافسة، لا عبر الواسطة.
رابعاً: مراجعة أوضاع المعاشيين
احترام المعاشيين واجب.
لكن احترامهم لا يعني استمرار الوظيفة العامة بلا نهاية.
إذا كانت هناك حاجة فعلية إلى خبرة معاشي، يمكن الاستفادة منه كمستشار أو خبير بعقد محدد المدة والمهمة.
أما أن تتحول الوظيفة إلى امتداد غير محدود للخدمة، فهذا يعيق تجديد الدماء ويغلق الفرص أمام الكفاءات الشابة.
خامساً: المتعاونون.. استثناء وليس قاعدة
التعاون الوظيفي يجب أن يكون مؤقتاً ومبرراً.
فإذا احتاجت السفارة إلى شخص لمدة ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو سنة لإنجاز مهمة محددة، فهذا مفهوم.
أما أن يصبح التعاون مساراً دائماً بلا منافسة أو مراجعة، فهو باب واسع للترهل.
لذلك نقترح:
مدة محددة + مهمة محددة + أجر محدد + تقييم + قرار بالتجديد أو الإنهاء.
سادساً: لا ترحيل تلقائي مع كل سفير
من الممارسات التي تحتاج إلى مراجعة أن ترتبط بعض الوظائف بالأشخاص.
السفير يتغير، فيأتي معه فريق.
ثم يأتي سفير آخر، فيأتي بفريق آخر.
وهكذا تتراكم التعيينات.
والنتيجة:
سفارة ضخمة، تكلفة مرتفعة، وتداخل في الاختصاصات.
المطلوب أن تكون السفارة مؤسسة مستقرة.
السفير يتغير، لكن الموظف المهني يبقى وفق الحاجة والكفاءة.
والتدوير يكون وفق النظام، وليس وفق العلاقات الشخصية.
سابعاً: مزدوجو الجنسية
هذه قضية تحتاج إلى معالجة قانونية دقيقة لا إلى شعارات.
لا ينبغي إطلاق أحكام عامة على الأشخاص.
بل يجب مراجعة القوانين واللوائح المنظمة للعمل الدبلوماسي والتعيين المحلي، وتحديد الوظائف التي تتطلب شروطاً خاصة من حيث الجنسية والولاء القانوني وتضارب المصالح.
المبدأ:
الوظيفة العامة يجب أن تكون محكومة بالقانون ومصلحة الدولة، لا بالافتراضات الشخصية.
ثامناً: مدة الخدمة والتدوير
نقترح أن تكون لكل وظيفة مدة خدمة محددة.
الدبلوماسي الموفد يخضع لنظام التدوير المعتمد.
الموظف المحلي يخضع لعقد وتجديد وتقييم.
المستشار والمتعاون يخضعان لمدة محددة.
وبذلك ننهي فكرة:
«دخل السفارة ولم يخرج منها».
فالمؤسسة التي لا تتجدد تتحول مع الوقت إلى مؤسسة مغلقة.
تاسعاً: تقييم الأداء
لا يكفي حضور الموظف.
المطلوب هو الإنجاز.
لذلك يجب إنشاء نظام تقييم سنوي يعتمد على مؤشرات واضحة:
الانضباط.
جودة الخدمة.
سرعة إنجاز المعاملات.
الالتزام المالي والإداري.
رضا المستفيدين.
التعاون مع الأقسام.
الإنجاز الفعلي للمهام.
ومن لا يحقق المطلوب، يجب أن يحصل أولاً على فرصة للتصحيح والتدريب، ثم تتخذ الإجراءات النظامية إذا استمر القصور.
عاشراً: قاعدة بيانات مركزية لوزارة الخارجية
يجب ألا تكون المعلومات الخاصة بالعاملين موزعة بين الملفات والأشخاص.
نحتاج إلى نظام إلكتروني مركزي لبعثات السودان في الخارج.
بحيث تستطيع الوزارة معرفة:
من يعمل؟
أين يعمل؟
متى بدأ؟
متى تنتهي مهمته؟
ما وظيفته؟
ما تكلفة وجوده؟
وما تقييمه؟
وهذا يساعد الوزارة على اتخاذ القرار بعيداً عن العشوائية.
حادي عشر: سفارة القاهرة تحتاج إلى هيكل يتناسب مع مهمتها
أقترح أن يعاد تقييم هيكل السفارة بحيث تتركز الإدارات حول الملفات الأساسية:
القسم السياسي والدبلوماسي
القسم القنصلي وخدمة المواطن
قسم شؤون الجالية
قسم التعليم والطلاب
القسم الاقتصادي والاستثماري
القسم الثقافي والإعلامي
الشؤون الإدارية والمالية
الملحقية العسكرية والأمنية وفق الاختصاصات القانونية
مع وضوح خطوط المسؤولية وعدم تكرار الاختصاصات.
ثاني عشر: السفارة ليست وزارة مصغرة
وهذه نقطة جوهرية.
لا ينبغي أن تتضخم السفارة بالملحقيات واللجان والوحدات التي لا تمتلك مهاماً حقيقية.
كل وحدة يجب أن تجيب عن سؤال بسيط:
ما القيمة التي تضيفها للدولة؟
إذا كانت الإجابة غير واضحة، فيجب مراجعة وجودها.
ثالث عشر: ربط السفارة بمشروع إعادة إعمار السودان
السفارة في القاهرة يجب ألا تنتظر انتهاء الحرب حتى تبدأ العمل الاقتصادي.
بل يجب من الآن إعداد:
قاعدة بيانات للمستثمرين
قاعدة بيانات للشركات المصرية والعربية
قاعدة بيانات للكفاءات السودانية
خريطة للمشروعات السودانية القابلة للاستثمار
ملفات للزراعة والصناعة والتعدين والطاقة والبنية التحتية
حتى تكون السفارة شريكاً في إعادة إعمار السودان.
رابع عشر: المواطن هو معيار النجاح
يمكن أن نضع عشرات اللوائح.
لكن المواطن هو الذي سيحكم في النهاية.
إذا دخل السفارة ووجد احتراماً وتنظيماً وسرعة وعدالة، فقد نجحنا.
وإذا ظل المواطن ينتظر، ويبحث عن واسطة، ويتنقل بين المكاتب، فقد فشلنا مهما كانت التقارير جميلة.
الدبلوماسية تبدأ من احترام المواطن.
مقترح لائحة إصلاحية مختصرة
أقترح أن تعتمد وزارة الخارجية إطاراً موحداً لبعثاتها يقوم على:
1. الحصر الكامل للعاملين.
2. مراجعة جميع الوظائف وفق الحاجة الفعلية.
3. وقف التعيينات غير الضرورية مؤقتاً لحين اكتمال المراجعة.
4. وضع شروط موحدة للتعيين المحلي.
5. منع التعيين المباشر إلا في الحالات التي يجيزها القانون.
6. تحديد مدد العقود والتكليفات.
7. إخضاع الجميع لتقييم أداء دوري.
8. مراجعة أوضاع المعاشيين والمتعاونين.
9. ضبط تضارب المصالح وفق القانون.
10. إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة للبعثات.
11. ربط عدد العاملين بحجم العمل الحقيقي.
12. اعتماد هيكل وظيفي لكل سفارة.
13. إخضاع الملحقيات لمراجعة دورية.
14. ربط تقييم رئيس البعثة بمؤشرات أداء واضحة.
15. تقديم تقرير سنوي عن أداء السفارة واحتياجاتها.
كلمة أخيرة
نحن لا نطالب بإبعاد فلان أو الإبقاء على علان.
ولا نريد أن تتحول عملية الإصلاح إلى تصفية حسابات.
نريد شيئاً أبسط وأكبر:
أن تصبح سفارات السودان مؤسسات دولة حقيقية.
أن تكون الوظيفة فيها تكليفاً لا امتيازاً.
وأن يكون التعيين بالكفاءة لا بالواسطة.
وأن تكون مدة الخدمة محددة.
وأن تكون المسؤولية واضحة.
وأن يكون الأداء قابلاً للقياس.
وأن يكون المواطن محور الخدمة.
فإذا كان السودان يستعد لمرحلة جديدة، فإن الدبلوماسية السودانية يجب أن تكون في مقدمة مؤسسات الدولة التي تتغير وتُصلح نفسها.
وسفارة السودان بالقاهرة يمكن أن تكون البداية.
ليس لأن العاملين فيها سيئون، وإنما لأن أهمية القاهرة تفرض أن تكون السفارة فيها نموذجاً للمؤسسة الدبلوماسية الحديثة.
السفير يتغير.
الموظفون يتقاعدون.
الحكومات تتبدل.
لكن الدولة باقية.
ولهذا يجب أن نبني مؤسسات لا تعتمد على الأشخاص، ودبلوماسية لا تتغير بتغير الأسماء.
السودان الجديد الذي نحلم به لن يُبنى بعقلية الأمس.
وسيبدأ الإصلاح الحقيقي عندما نمتلك الشجاعة لنقول:
لا مكان في مؤسسات الدولة إلا للكفاءة، ولا استمرار إلا لمن يحتاجه العمل، ولا ولاء فوق الولاء للسودان.
مشاركة الخبر علي :