الرئيسية / مقالات رأي / محجوب أبوالقاسم يكتب : مناوي والمل...
مقالات رأي

محجوب أبوالقاسم يكتب : مناوي والمليشيات

 لم يكن الاحتفال بالذكرى الثالثة لتأسيس مركز المقرن للخدمات الصحفية والإعلامية مجرد مناسبة للاحتفاء بما تحقق بل محطة لاستعراض تجربة ثلاثة أعوام من العمل المتواصل في خدمة الصحافة والإعلام ومساندة...

محجوب أبوالقاسم

يكتب :

مناوي والمليشيات
2026-10-12 5 دقائق قراءة 16 مشاهدة

 لم يكن الاحتفال بالذكرى الثالثة لتأسيس مركز المقرن للخدمات الصحفية والإعلامية مجرد مناسبة للاحتفاء بما تحقق بل محطة لاستعراض تجربة ثلاثة أعوام من العمل المتواصل في خدمة الصحافة والإعلام ومساندة الجيش وتعزيز الوعي الوطني وترسيخ قيم الوحدة والتماسك المجتمعي في واحدة من أصعب المراحل التي يمر بها السودان.

وقد عكست المشاركة الواسعة للقيادات السياسية والعسكرية والتنفيذية إلى جانب الرموز الإعلامية والثقافية والصحفية المكانة التي بات يحتلها الإعلام في معركة الوعي وأهمية بناء مؤسسات إعلامية قادرة على مواجهة خطاب الكراهية وتفنيد الشائعات وصون الهوية الوطنية وتقديم الحقيقة بمهنية ومسؤولية.

لكن وسط هذه الأجواء لفتني حديث حاكم إقليم دارفور المارشال مني أركو مناوي الذي أكد أهمية دعم المراكز الإعلامية وتطوير قدرات الإعلاميين قبل أن يضع النقاط على الحروف بشأن مستقبل الدولة مشددا على أن السودان يتطلع إلى دولة مؤسسات لا دولة مليشيات وأن القوات التي تنظمها الدولة وتحكمها القوانين يجب أن تكون جيشا وشرطة وأجهزة أمنية نظامية.

 فإن حديث المارشال مناوي يتجاوز حدود مخاطبة الحضور في احتفال إعلامي ليطرح قضية جوهرية تتعلق بمستقبل الدولة  وطبيعة مؤسساتها العسكرية والأمنية بعد الحرب. فالدولة لا يمكن أن تستعيد عافيتها وتبني استقرارها في ظل تعدد التشكيلات المسلحة خارج إطار المؤسسات النظامية أو استمرار السلاح بعيدا عن سلطة القانون.

إن تأكيد مناوي أن مستقبل القوات النظامية يجب أن يقوم على جيش وشرطة وأجهزة أمنية يحمل رسالة واضحة بشأن ضرورة الانتقال من واقع الحرب وتعدد التشكيلات إلى دولة تحتكر فيها المؤسسات الرسمية مسؤولية حفظ الأمن والدفاع عن البلاد وفق القانون والترتيبات الدستورية والأمنية المعتمدة.

وهنا تبرز أهمية النظر إلى حديثه باعتباره دعوة إلى معالجة ملف الترتيبات الأمنية بجدية وتسريع الخطوات اللازمة لاستكماله بما يضمن توحيد القوات وضبط السلاح وتحديد المسؤوليات وبناء مؤسسات وطنية مهنية تعمل وفق عقيدة وطنية واحدة وتخضع لسلطة الدولة والقانون.

 

إن الحديث عن دولة المؤسسات لا يكتمل بالشعارات وحدها وإنما يحتاج إلى قرارات عملية وإرادة سياسية واضحة. فاستكمال الترتيبات الأمنية ليس مجرد إجراء إداري أو عسكري بل ضرورة وطنية تفرضها تحديات المرحلة وتتطلب معالجة مسؤولة تحفظ حقوق الأفراد وتراعي تعقيدات الواقع العسكري وتمنع نشوء بؤر جديدة للصراع.

كما أن المرحلة الراهنة تستدعي قدرا عاليا من الحكمة في التعامل مع مكونات القوات التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة وفي مقدمتها القوات المشتركة بعيدا عن محاولات إثارة المخاوف أو تأجيج الخلافات بين التشكيلات التي تواجه عدواً مشتركا.

المطلوب هو أن تكون المرجعية هي القانون والمصلحة الوطنية وأن تتحول التضحيات التي قدمها المقاتلون إلى أساس لبناء جيش وطني موحد ومؤسسات أمنية محترفة لا إلى مبرر لاستمرار تعدد مراكز القوة والسلاح.

ومن هنا فإن الرسالة التي تستحق أن تجد طريقها إلى التنفيذ هي أن وحدة الصف في ميدان المعركة ينبغي أن تواكبها رؤية واضحة لبناء مؤسسات الدولة وأن يكون السلام والاستقرار ثمرة لترتيبات أمنية عادلة ومحكمة تضمن ألا تعود البلاد إلى دوامة الحروب والانقسامات.

 

ولأن حديث مناوي جاء في مناسبة إعلامية فإن مسؤوليّة الصحافة والإعلام تظل حاضرة بقوة في هذه المعادلة. فالكلمة الصادقة لا تقل أهمية عن أي جهد وطني آخر والإعلام المسؤول يستطيع أن يسهم في تبصير الرأي العام وتقريب وجهات النظر ومواجهة خطاب الكراهية وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع.

وهذا ما حاول مركز المقرن للخدمات الصحفية والإعلامية أن يجعله جزءا من رسالته منذ انطلاقته إذ لم تكن رحلته مجرد تأسيس مؤسسة جديدة بل سعيا إلى توفير مساحة للعمل الإعلامي وتطوير قدرات الصحفيين والاضطلاع بدور مهني ووطني في زمن الحرب.

ثلاثة أعوام من العمل تمثل بداية لمسيرة تتطلب المزيد من التطوير والتوسع وتعزيز الشراكات وتأهيل الكوادر الصحفية وتوفير بيئة تساعد الإعلاميين على أداء رسالتهم بمهنية واستقلالية ومسؤولية.

شكرا لكل من أزدان بهم الاحتفال

وفي ختام هذه المناسبة نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جميع القيادات السياسية والعسكرية والتنفيذية ورموز الثقافة والفكر والمجتمع الذين شاركونا الاحتفال بالذكرى الثالثة للمركز وتدشين مقره الجديد بأم درمان.

والشكر موصول بصورة خاصة إلى زملائنا الصحفيين والإعلاميين رفقاء الدرب وحملة الكلمة الذين أزدان بهم المكان وأثروا المناسبة بحضورهم ومشاركاتهم وتغطياتهم المهنية.

 لقد كان وجودكم مصدر اعتزاز لنا ودليلا على أن روابط المهنة والزمالة تظل أقوى من قسوة الظروف وتحديات الحرب.

التحية لكل صحفي حمل قلمه في زمن المحنة ولكل إعلامي تمسك بمسؤوليته وجعل من الكلمة جسرا للحقيقة ومن رسالته المهنية وسيلة لخدمة الوطن والمواطن.

ثلاثة أعوام مضت انتقل خلالها مركز المقرن من الفكرة إلى المؤسسة ومن المبادرة إلى العمل الميداني وهو يدخل عامه الرابع بطموحات أكبر ومسؤوليات أوسع واضعا نصب عينيه أن يظل منبرا للكلمة المسؤولة وشريكا في تعزيز الوعي الوطني وبناء سودان تسوده المؤسسات ويحكمه القانون ويتسع لجميع أبنائه.

       ولنا عودة

١٢ اكتوبر ٢٠٢٦م

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

السابق ويبقى الود حماية الأراضي : حماية لوطن غال...