الرئيسية / مقالات رأي / وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي الحوار ا...
مقالات رأي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي الحوار السوداني.. ما قبل الطاولة

أعلن الناطق الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار ، عثمان ميرغني، أن اللجنة أحرزت تقدمًا في مشاوراتها، شملت أكثر من مائة مجموعة مجتمعية، إلى جانب الأحزاب والتحالفات والشخصيات المستقلة. وأكد أن المشاورات تقوم...

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

الحوار السوداني.. ما قبل الطاولة
2026-09-22 5 دقائق قراءة 4 مشاهدة

أعلن الناطق الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار ، عثمان ميرغني، أن اللجنة أحرزت تقدمًا في مشاوراتها، شملت أكثر من مائة مجموعة مجتمعية، إلى جانب الأحزاب والتحالفات والشخصيات المستقلة. وأكد أن المشاورات تقوم على مبدأ "لا إقصاء ولا استثناء" ، وأن دور اللجنة يقتصر على التهيئة والاتصال، دون فرض أطراف الحوار أو أجندته أو مخرجاته.

وهذا الرقم،  في ظل تعدد الكيانات والقوى السياسية ، يضع أمام اللجنة تحديًا كبير، كيف تُحوّل هذا التعدد من كثرة في الرؤى إلى مسار سياسي منتج؟ فالأزمة السودانية ليست في ندرة المبادرات والتصورات، بل في تحويلها إلى توافقات قابلة للبناء عليها. والخطر أن يتحول الحوار إلى تكرار للمواقف، بدل أن يكون مساحة لتقريب الرؤى وصناعة الحل.

لكن كثرة المشاورات وحدها لا تكفي. فالمهم الآن أن تنتقل اللجنة من جمع الآراء إلى ترتيبها وتحويلها إلى قضايا واضحة للحوار. وهنا تأتي مرحلة "ما قبل الطاولة" ، فتضع اللجنة مسودة أولية لأهم القضايا الوطنية التي تحتاج إلى نقاش، ثم تطرحها على الأحزاب والقوى المجتمعية لإبداء ملاحظاتها كتابةً. وبذلك يدخل المشاركون الحوار وهم يحملون رؤى حول قضايا محددة، وينطلقون من أرضية مشتركة يمكن البناء عليها.

وبذلك يصبح كل حزب أو كيان مطالبًا ليس فقط بإعلان موقف سياسي، وإنما بتقديم رؤية محددة تجاه القضايا المطروحة: ما الذي يراه أولوية؟ ما تشخيصه للمشكلة؟ ما مقترحه للحل؟ وما الآليات التي يراها مناسبة لتنفيذ ما يقترحه؟ ويمكن، في الوقت ذاته، أن يضيف قضايا أخرى يرى أنها غابت عن الإطار الأولي وتستحق أن تكون جزءًا من أجندة الحوار.

هذه الخطوة تبدو بسيطة، لكنها في الواقع تنقل عملية التهيئة من مستوى سياسي إلى مستوى منهجي. فاللجنة لا تقول للأحزاب ماذا تتفق عليه، ولا تحدد مسبقًا نتائج الحوار، وإنما تضع إطارًا أوليًا للنقاش، ثم تترك للقوى أن تملأ هذا الإطار برؤاها ومواقفها. وبعد ذلك تبدأ الوظيفة الأكثر أهمية، جمع هذه الرؤى وتصنيفها وتحليلها واستخلاص خريطتها السياسية.

ومن هنا يمكن أن تنتج اللجنة وثيقتين مرجعيتين تشكلان أساس الانتقال إلى الحوار المباشر.

الأولى هي وثيقة القضايا المتفق حولها، وتجمع الموضوعات والمبادئ والمقترحات التي تكشف الرؤى المقدمة عن وجود قدر واضح من التوافق بشأنها. وهذه الوثيقة لا ينبغي أن تبقى وثيقة داخلية، بل يمكن الإعلان عنها وتسميتها بوصفها "المشتركات الوطنية"، حتى يعرف السودانيون منذ البداية ما الذي استطاعت قواهم السياسية والمجتمعية أن تتفق عليه قبل أن تبدأ المفاوضات حول ما تبقى. وليس المقصود إعلان توافق نهائي، وإنما تثبيت المساحات التي يوجد حولها توافق  يمكن البناء عليه.

أما الوثيقة الثانية فهي وثيقة القضايا المختلف حولها، وهي الأهم من حيث وظيفتها الحوارية، لأنها تجمع الموضوعات التي كشفت عملية التحليل تباينًا حقيقيًا في رؤى الأحزاب والكيانات بشأنها. وهنا لا يكون الاختلاف مشكلة مؤجلة، بل يتحول إلى مادة منظمة للحوار: موقف مقابل موقف، ومقاربة مقابل مقاربة، مع تحديد نقاط التباين ومواطن التقاطع الممكنة.

وبهذا المعنى، فإن الوثيقة الثانية يمكن أن تصبح الأجندة الفعلية للجلسات الأولى للحوار. فبدل أن تبدأ أولى دورات الانعقاد أو الاجتماعات المباشرة من الصفر، أو أن يقضي المشاركون وقتًا طويلًا في تحديد ما ينبغي مناقشته، يدخلون إلى الطاولة وهم أمام قائمة واضحة من القضايا التي ثبت بالاستناد إلى رؤى القوى نفسها، أنها محل خلاف وتحتاج إلى حوار.

هذه المنهجية تمنح مبدأ "لا إقصاء ولا استثناء" معنى عمليًا. فالمشاركة لا تصبح مجرد حضور في قائمة المدعوين، وإنما مساهمة حقيقية في تشكيل أجندة الحوار نفسها. كل حزب أو كيان يقدم رؤيته، وكل رؤية تدخل في عملية الجمع والتصنيف والتحليل، ثم تظهر نتائجها في الوثيقتين، مع الحفاظ على نسبة المواقف إلى أصحابها وعدم إذابة الفروق بينها.

وفي تقديري، فإن هذه الطريقة يمكن أن تعالج واحدة من أكبر مشكلات الحوارات السودانية المتمثلة في كثرة الموضوعات واتساع الخلافات دون وجود منهج يميز بين ما تم الاتفاق عليه وما يحتاج إلى تفاوض، وبين القضايا التي يمكن حسمها بالتوافق وتلك التي تحتاج إلى قرار أو تفويض شعبي. فالحوار لا يصبح منتجًا بكثرة المشاركين، وإنما بقدرته على تحويل الاختلاف إلى أسئلة محددة، والأسئلة إلى مقاربات، والمقاربات إلى تفاهمات.

وفي النهاية، بحسب #وجه_الحقيقة، لا تقاس قيمة الحوار بعدد الجالسين إلى الطاولة، بل بما يحملونه إليها من رؤى وقضايا واضحة. فإذا نجحت لجنة التهيئة في تحديد ما اتُّفق عليه وما اختلف حوله، وصياغة الأجندة فإنها تكون قد أنجزت أهم ما يسبق الحوار. فالحوار الحقيقي لا يبدأ عند الطاولة، بل قبلها؛ حين تتضح نقاط الاتفاق والخلاف، حتى لا تتحول الجلسات إلى تكرار للأزمة، بل إلى بحث جاد عن مقاربات وحلول.

دمتم بخير وعافية.

الثلاثاء 22 سبتمبر 2026م. Shglawi55@gmail.com

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

التالي ويبقى الود الجوية : سم ((أبو درق الجدادي))... السابق *🌏شبكة المحيط الإعلامية* *أضواء البيان نيو...