الرئيسية / مقالات رأي / محجوب أبوالقاسم يكتب رحيل الفارس ا...
مقالات رأي

محجوب أبوالقاسم يكتب رحيل الفارس الجسور

لم يكن اليومان الماضيان عاديين بالنسبة لي فقد كانا مثقلين بالتفاصيل والانشغالات التي أبعدتني عن هاتفي الجوال وشغلتني ببعض أمور المنزل الصغيرة حتى إذا ما فرغت منها وتفرق الجميع سارعت إلى هاتفي لأعود إل...

محجوب أبوالقاسم

يكتب

رحيل الفارس الجسور
2026-10-15 4 دقائق قراءة 9 مشاهدة

لم يكن اليومان الماضيان عاديين بالنسبة لي فقد كانا مثقلين بالتفاصيل والانشغالات التي أبعدتني عن هاتفي الجوال وشغلتني ببعض أمور المنزل الصغيرة حتى إذا ما فرغت منها وتفرق الجميع سارعت إلى هاتفي لأعود إلى عملي وأتفقد ما فاتني من رسائل واتصالات.
لكنني لم أكن أعلم أن بين الرسائل ما سيوقف الزمن في عيني ويجعل يدي ترتجفان ودقات قلبي تتسارع والدموع تنساب دون استئذان،
كانت رسالة من صديق تحمل نعيا موجعا للراحل فيصل أبوالقاسم.

قرأت الخبر وكأنني أقرأ شيئا لا أريد لعقلي أن يصدقه ولا لقلبي أن يستوعبه كيف يرحل فيصل؟ وكيف يمكن لذلك الصوت الذي اعتدنا حضوره وتلك الروح التي ظلت قريبة رغم المسافات أن تصبح فجأة ذكرى تستدعيها الرسائل وتستحضرها المواقف؟

رحل فيصل لكن وقع رحيله أكبر من كلمات النعي وأعمق من أن يحتويه سطر عابر

لم يكن فيصل أبوالقاسم بالنسبة لي مجرد صديق عابر أو اسم يمر في قائمة الاتصالات بل كان صديقا وفيا ظل حريصا على التواصل والسؤال وتفقد الأحوال حتى في الفترات التي كنت فيها خارج الوطن لم تكن المسافات تحول بيننا ولم يكن الغياب عن البلاد يعني الغياب عن اهتمامه فقد ظل حاضرا برسائله واتصالاته يسأل ويطمئن ويتابع وكأن بيننا مجلسا لم تفرقه الحدود
كان التواصل بيننا عبر الواتساب يحمل أكثر من مجرد التحايا المعتادة كان مساحة للحديث عن الوطن وتبادل الرؤى حول ما يمر به السودان من تحديات ومناقشة الهم الوطني الذي ظل حاضرا في تفاصيل أحاديثنا.

كان فيصل يحمل وطنه في قلبه ويتابع قضاياه باهتمام وينظر إلى ما يجري فيه باعتباره شأنا يمس الجميع لا قضية يمكن للمرء أن يقف منها موقف المتفرج.
ومن يعرف فيصل عن قرب يعرف ما اتصف به من شهامة ووفاء وما كان يحمله من إحساس بالمسؤولية تجاه وطنه وأهله وأصدقائه، لم تكن مواقفه بحاجة إلى كثير من الكلام حتى تعرف فالمواقف الصادقة تترك أثرها في النفوس وتظل شاهدة على أصحابها بعد الرحيل.

أشهد يا فيصل أنك أديت أمانتك على أكمل وجه وأنك دافعت عن وطنك بسلاح الكلمة وجعلت من قلمك وسيلة للتعبير عن قناعاتك ومواقفك تجاه القضايا التي آمنت بها، فليس الدفاع عن الوطن حكرا على من يحمل السلاح في ميادين القتال فهناك من يخوض معركته بالكلمة ومن يقف في خندق الوعي ومن يرى أن مسؤولية القلم لا تقل شأنا عن مسؤولية أي موقع آخر في زمن تتعاظم فيه التحديات.
لقد اخترت يافيصل أن يكون لك موقف وأن تعبّر عما تؤمن به وأن تظل قريبا من هموم وطنك وهذه شهادة أكتبها اليوم لا مجاملة في مقام الفقد بل وفاء لصديق عرفته من خلال التواصل والمواقف.

رحلت يا فيصل وتركت خلفك أسئلة الفقد ومرارة الغياب لكنك تركت أيضا سيرة تستحق أن تروى وذكريات ستظل حاضرة في وجدان من عرفوك وأحبوك.
ما أصعب أن يأتي خبر الرحيل من رسالة هاتفية وأن يتحول الاسم الذي اعتدت أن تراه بين الرسائل إلى اسم تستحضره بالدعاء والترحم! وما أقسى أن تدرك بعد لحظات من الصدمة أن التواصل الذي كان ممكنًا بالأمس لن يتكرر بالصورة ذاتها اليوم، لكنها سنة الحياة التي لا تستثني أحدا ولا تمنحنا فرصة للاستعداد الكامل للفراق.

ويبقى عزاؤنا في الإيمان بقضاء الله وقدره وفي ما يتركه الراحلون من أثر طيب وذكريات لا تمحوها الأيام

إلى روحك السلام وإلى أهلك وأصدقائك ومحبيك خالص العزاء وصادق المواساة.
أسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته وأن يعوض شبابك الجنة وأن يغسلك بالماء والثلج والبرد وينقيك من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة ويسكنك الفردوس الأعلى بغير حساب ولا سابق عذاب.
نم قرير العين يا صديقي فقد أديت ما عليك وتركت في النفوس أثرا لا يزول بسهولة وذكريات ستظل حاضرة كلما مرّ اسمأو استعدنا حديثا جمعناأو تذكرنا موقفا عبر عن شهامتك ووفائك.

رحمك الله رحمة واسعة وجعل ما قدمته في ميزان حسناتك وربط على قلوب أهلك ومحبيك وألهمهم الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

15 اكتوبر 2026م

ولنا عودة

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

التالي عبود عبدالرحيم يكتب : الغلاء.. بين عجز حكومة... السابق الوطن فوق كل اعتبار… كفى تدويلًا للأزمة السود...