سودنة الوظائف الدبلوماسية واستعادة هيبة الخارجية… الإصلاح يبدأ من المحطات الخارجية بقلم: د. سعاد فقيري
لم تعد قضية إصلاح وزارة الخارجية السودانية مسألة إدارية عابرة، ولا مجرد مراجعة لأسماء شاغلي الوظائف في السفارات والقنصليات؛ بل أصبحت ضرورة وطنية تفرضها متطلبات المرحلة، وحجم الأعباء الاقتصادية التي تو...
لم تعد قضية إصلاح وزارة الخارجية السودانية مسألة إدارية عابرة، ولا مجرد مراجعة لأسماء شاغلي الوظائف في السفارات والقنصليات؛ بل أصبحت ضرورة وطنية تفرضها متطلبات المرحلة، وحجم الأعباء الاقتصادية التي تواجه الدولة، والحاجة إلى إعادة بناء مؤسساتها على أسس المهنية والانضباط والشفافية وحماية المال العام.
فالسفارات السودانية في الخارج ليست ملكاً لأشخاص، ولا امتداداً للعلاقات الاجتماعية والمجاملات الخاصة، وإنما هي مؤسسات سيادية تمثل الدولة السودانية، وتدافع عن مصالحها، وترعى شؤون مواطنيها، وتنفذ سياستها الخارجية وفقاً للقانون والمصلحة الوطنية.
ومن هنا، فإن الحديث عن سودنة الوظائف في البعثات الدبلوماسية، وضبط التعيينات المحلية، ومراجعة المرتبات والامتيازات المالية، يجب أن يكون جزءاً من مشروع شامل لإصلاح وزارة الخارجية، لا مجرد قرارات متفرقة تعالج بعض المظاهر وتترك جذور المشكلة.
أولاً: سودنة الوظائف وإعادة الاعتبار للكادر الوطني
إن الأصل في الهيكل الإداري للسفارات والقنصليات السودانية أن يقوم على كوادر وزارة الخارجية السودانية المؤهلة، وفقاً للهياكل المعتمدة، والاحتياجات الفعلية لكل محطة، وطبيعة المهام الدبلوماسية والقنصلية والإدارية المطلوبة.
ولا يعني ذلك إلغاء الاستعانة بالعاملين المحليين بصورة مطلقة؛ فهناك وظائف مساندة قد تقتضي طبيعتها الاستعانة بمواطنين من الدولة المضيفة، وفقاً لقانونها، والضوابط السودانية، واعتبارات الأمن والسرية والمصلحة العامة. لكن ينبغي ألا تتحول الاستعانة المحلية إلى بديل عن الكادر الوطني في الوظائف التي تمثل امتداداً مباشراً لعمل وزارة الخارجية واختصاصاتها.
ومن الضروري أن تضع الوزارة هيكلاً وظيفياً واضحاً لكل بعثة، يحدد الوظائف المعتمدة، ودرجاتها، واختصاصاتها، ومؤهلات شاغليها، ومصادر تمويلها، مع مراجعة دورية لمدى الالتزام بهذا الهيكل.
فالمطلوب ليس سودنة الشعارات، وإنما سودنة الوظائف وفق خطة عملية تحمي الوظيفة العامة من العشوائية، وتمنح الكفاءات السودانية حقها في الخدمة والتأهيل والترقي وفق معايير معلنة.
ثانياً: ازدواجية الجنسية والوظائف الحساسة
من المسائل التي تستحق المراجعة المؤسسية مسألة تعيين أصحاب الجوازات أو الجنسيات المزدوجة في الوظائف المحلية داخل البعثات السودانية، خاصة الوظائف التي تتصل بالمعلومات الحساسة، أو المراسلات الرسمية، أو البيانات القنصلية، أو الملفات المالية والإدارية.
وهنا ينبغي أن يكون النقاش قانونياً ومهنياً، بعيداً عن التعميم أو الانتقاص من حقوق أي مواطن؛ فحمل جنسية أخرى لا يكفي وحده لإثبات عدم الأهلية أو وجود تعارض في المصالح.
لكن من حق الدولة، بل من واجبها، أن تضع شروطاً واضحة لشغل الوظائف الحساسة، تشمل الإفصاح عن المصالح المتعارضة، ومتطلبات السرية، والتدقيق الأمني وفق القانون، ومدى ارتباط الوظيفة بالمعلومات السيادية، مع تطبيق معايير واحدة على جميع المتقدمين.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا الملف هي أن حساسية الوظيفة هي التي تحدد شروط شغلها، وليس العلاقات الشخصية أو الاعتبارات الاستثنائية.
ثالثاً: سكرتارية السفراء ليست باباً للمجاملات
من الملفات التي تحتاج إلى تنظيم واضح مسألة تعيين السكرتيرات والسكرتيرين والعاملين في المكاتب الخاصة برؤساء البعثات.
فالمكتب الخاص للسفير جزء من منظومة العمل الرسمي، وليس مساحة مفتوحة للتعيينات القائمة على المعرفة الشخصية أو الثقة الاجتماعية وحدها. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تكون الوظيفة مرتبطة بالمراسلات، والمواعيد الرسمية، والوثائق، والاتصالات، والمعلومات التي تتطلب درجات عالية من السرية والانضباط.
لذلك، ينبغي وضع ضوابط تمنع تحول هذه الوظائف إلى تعيينات شخصية غير خاضعة للمعايير المؤسسية، مع تحديد المؤهلات المطلوبة، وطبيعة المهام، والجهة التي تعتمد التعيين، وآليات الرقابة والمساءلة.
أما الاستعانة بمواطنين من الدولة المضيفة في بعض الوظائف المساندة، فيجب أن تكون استثناءً منظماً تبرره الحاجة الفعلية، وتخضع لمراجعة قانونية وأمنية وإدارية، لا قاعدة تُترك للتقدير الفردي.
إن السفير، مهما علت مكانته، مسؤول عن إدارة بعثة الدولة وفقاً للوائحها، وليس من حق أي مسؤول أن ينشئ لنفسه منظومة تعيينات موازية خارج الهيكل المعتمد.
رابعاً: المرتبات بالعملة الصعبة… من يتحمل الفاتورة؟
لا يمكن فصل إصلاح التعيينات عن مراجعة الالتزامات المالية للبعثات الدبلوماسية، خاصة ما يتعلق بالمرتبات والبدلات والامتيازات التي تُصرف بالعملات الأجنبية.
ففي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، يصبح من الضروري إخضاع جميع بنود الإنفاق الخارجي لمراجعة دقيقة، تحدد حجم الالتزامات الفعلية، ومدى ضرورتها، ومدى توافقها مع القواعد المالية المعتمدة.
وإذا كانت هناك وظائف محلية تُعتمد مرتبات شاغليها من موازنة وزارة الخارجية بالعملة الصعبة، فينبغي التحقق من الأساس القانوني لهذا الاعتماد، وطبيعة العقود، ومبررات مستويات الأجور، ومدى تناسبها مع المهام الفعلية، وما إذا كانت هناك بدائل أكثر كفاءة وأقل تكلفة.
فليس من المنطقي أن تتوسع الالتزامات المالية للبعثات دون دراسة واضحة للأثر على الموازنة العامة، أو أن تستمر عقود قديمة من دون مراجعة، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى توجيه مواردها نحو الأولويات الوطنية والخدمات الأساسية.
لكن الإنصاف يقتضي كذلك التمييز بين المرتبات المستحقة قانوناً، والالتزامات التعاقدية الصحيحة، وأي تجاوزات محتملة؛ فلا يجوز اتهام موظف أو مسؤول بمخالفة مالية لمجرد أن راتبه يُصرف بالعملة الأجنبية. المطلوب هو التدقيق والمحاسبة وفق المستندات واللوائح، لا إطلاق الأحكام المسبقة.
خامساً: المحسوبية والتقارب الشخصي وتضارب المصالح
من أخطر ما يمكن أن يصيب المؤسسات العامة أن تتداخل العلاقات الشخصية مع قرارات التعيين، أو تتحول المجاملات إلى معيار غير معلن لتوزيع الوظائف والامتيازات.
وقد تثار تساؤلات مشروعة حول مدى تأثير التقارب الشخصي بين بعض السفراء والمسؤولين والجهات المعنية بالتعيينات على اختيار بعض العاملين أو اعتماد امتيازاتهم. وهذه التساؤلات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها اتهامات ثابتة، بل باعتبارها مدخلاً لفرض الشفافية والتحقق المستقل.
فإذا وُجدت حالات تعيين بالمخالفة للوائح، أو تعاقدات لا تستند إلى حاجة وظيفية حقيقية، أو امتيازات اعتمدت دون سند قانوني، فإن الواجب هو مراجعتها من خلال الجهات المختصة، وإعلان المعايير العامة للتعيين، وإرساء قواعد تمنع تضارب المصالح.
ولا يكفي أن يكون المسؤول حسن النية؛ بل يجب أن تكون الإجراءات نفسها محصنة ضد المحاباة، وأن تكون القرارات قابلة للمراجعة والتدقيق والمساءلة.
إن المؤسسة القوية لا تعتمد على نزاهة الأفراد وحدها، وإنما تبني أنظمة تجعل النزاهة قاعدة، وتمنع استغلال السلطة، وتضمن تكافؤ الفرص أمام الجميع.
سادساً: ما المطلوب من وزارة الخارجية؟
إن معالجة هذا الملف تستوجب برنامجاً إصلاحياً واضحاً، يتضمن الإجراءات الآتية:
1. حصر شامل للوظائف: إعداد قاعدة بيانات موحدة لجميع الوظائف في السفارات والقنصليات، تشمل طبيعة الوظيفة، وشاغلها، ومؤهلاته، ونوع عقده، ومصدر راتبه، والجهة التي اعتمدت تعيينه.
2. مراجعة الهياكل التنظيمية: اعتماد هيكل وظيفي لكل محطة، يحدد الوظائف الدبلوماسية والإدارية والفنية والمساندة، ويمنع استحداث وظائف خارج القواعد المعتمدة.
3. مراجعة التعيينات المحلية: فحص العقود والتعيينات ومدى توافقها مع اللوائح، وتحديد الوظائف التي يمكن شغلها بكفاءات وطنية، والوظائف التي تبرر طبيعتها الاستعانة بعمالة محلية.
4. ضبط المرتبات والامتيازات: إجراء مراجعة مالية شاملة للمرتبات المدفوعة بالعملات الأجنبية والبدلات والمزايا، وفقاً للقانون والعقود المعتمدة، مع وقف أي صرف غير مستند إلى أساس قانوني بعد استكمال الإجراءات اللازمة.
5. منع تضارب المصالح: وضع قواعد للإفصاح عن المصالح الشخصية، ومنع تدخل المسؤول في اعتماد تعيينات أو امتيازات ترتبط بأشخاص تربطه بهم مصالح مباشرة، مع ضمان حق الاعتراض والمراجعة.
6. تنظيم مكاتب السفراء: إخضاع وظائف السكرتارية والمكاتب الخاصة لمعايير مهنية موحدة، وعدم تركها لاختيارات شخصية غير مقيدة باللوائح.
7. التدقيق والرقابة: تكليف الجهات المختصة بالمراجعة الإدارية والمالية، ورفع تقارير دورية إلى قيادة الوزارة والجهات الرقابية المعنية.
8. حماية حقوق العاملين: التمييز بين التعيينات المخالفة والتعيينات الصحيحة، وعدم اتخاذ إجراءات جماعية تعسفية، مع ضمان الحقوق القانونية والتعاقدية لمن تثبت سلامة أوضاعهم.
9. تقييم أداء البعثات: ربط كفاءة الإنفاق بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وسرعة إنجاز المعاملات، والانضباط الإداري، وتحقيق أهداف السياسة الخارجية.
10. إعلان نتائج الإصلاح: نشر نتائج إجمالية للمراجعة، دون الإخلال بسرية المعلومات أو حقوق الأفراد، حتى يشعر المواطن بأن المال العام يخضع للرقابة وأن الإصلاح ليس مجرد شعار.
سابعاً: الإصلاح لا يستهدف الأشخاص بل يحمي الدولة
إن الدعوة إلى إصلاح وزارة الخارجية ليست دعوة للتشهير بالسفراء أو الموظفين، ولا انتقاصاً من دور الدبلوماسي السوداني الذي يؤدي واجبه في ظروف صعبة. بل هي دعوة إلى حماية الوزارة من أي ممارسات قد تضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وإلى توفير بيئة عمل تقوم على الكفاءة والاستحقاق والانضباط.
كما أن نجاح الإصلاح يتطلب عدم تحويل المراجعة إلى تصفية حسابات، أو استهداف أشخاص دون أدلة، أو المساس بحقوق العاملين لمجرد اختلاف الجنسية أو طبيعة التعاقد. فالدولة التي تسعى إلى استعادة هيبتها يجب أن تكون أول من يلتزم بالقانون والعدالة الإجرائية.
إن وزارة الخارجية تحتاج إلى مراجعة مؤسسية شاملة، لا إلى قرارات انتقائية؛ وإلى معايير معلنة، لا إلى استثناءات غامضة؛ وإلى إدارة للموارد تقوم على المصلحة العامة، لا على العلاقات الخاصة.
خاتمة: الخارجية بوابة السيادة والإصلاح
إن استعادة هيبة وزارة الخارجية تبدأ من احترام مؤسساتها لقواعدها، ومن إخضاع التعيينات والمرتبات والامتيازات للشفافية والمراجعة والمساءلة. فالسفارة ليست ملكاً للسفير، والوظيفة العامة ليست مكافأة للعلاقات الشخصية، والمال العام ليس مورداً مفتوحاً لتغطية التزامات لم تخضع للتقييم والمحاسبة.
ومن حق المواطن السوداني أن يعرف أن كل وظيفة في الخارج لها ضرورة، وكل راتب له سند قانوني، وكل تعيين يخضع لمعايير عادلة، وكل بعثة تعمل وفق هيكل معتمد ورقابة فعالة.
إننا لا ندعو إلى إغلاق أبواب التعاون مع الدول المضيفة، ولا إلى إهدار الخبرات، وإنما إلى تنظيم العلاقة بما يحفظ سيادة السودان ومصالحه، ويصون حقوق العاملين، ويمنع تضارب المصالح، ويخفف الأعباء عن الخزانة العامة.
فالخارجية ليست مجرد سفارات منتشرة حول العالم؛ إنها وجه الدولة، وصوتها، وحارس مصالحها. وإذا أردنا بناء دولة المؤسسات، فعلينا أن نبدأ بإصلاح مؤسساتنا، وأن نجعل الكفاءة معياراً، والقانون مرجعاً، والمال العام أمانة، والوطن فوق كل اعتبار.



