الرئيسية / مقالات رأي / إلى رئيس الوزراء: أوقفوا العبث بالخدمة ا...
مقالات رأي

إلى رئيس الوزراء: أوقفوا العبث بالخدمة المدنية… وابدأوا مراجعة الاختيار من نقطة الصفر إلى السيد رئيس مجلس الوزراء، رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بقلم: د. سعاد فقيري

في الوقت الذي تتجه فيه الدولة السودانية إلى استعادة مؤسساتها وإعادة بناء الخدمة المدنية على أسس الكفاءة والعدالة وسيادة القانون، فإن قرار إيقاف التعيينات والتنقلات والترقيات يمثل خطوة مهمة لضبط المسار...

إلى رئيس الوزراء: أوقفوا العبث بالخدمة المدنية… وابدأوا مراجعة الاختيار من نقطة الصفر
إلى السيد رئيس مجلس الوزراء، رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس

بقلم: د. سعاد فقيري
2026-10-08 9 دقائق قراءة 13 مشاهدة

في الوقت الذي تتجه فيه الدولة السودانية إلى استعادة مؤسساتها وإعادة بناء الخدمة المدنية على أسس الكفاءة والعدالة وسيادة القانون، فإن قرار إيقاف التعيينات والتنقلات والترقيات يمثل خطوة مهمة لضبط المسار، لكنه في تقديري لا ينبغي أن يكون نهاية المعالجة، بل يجب أن يكون بداية لمراجعة شاملة وجادة لكل ما جرى داخل الخدمة المدنية خلال السنوات السابقة.
فالدولة التي تريد أن تستعيد هيبتها لا يكفي أن توقف القرارات الجديدة، وإنما عليها أن تنظر أيضاً إلى كيف صدرت القرارات القديمة، ومن عُيّن، وعلى أي أساس، ومن تمت ترقيته، ومن تم تجاوزه، وكيف جرى شغل الوظائف العامة، وخاصة وظائف الخبرات والوظائف القيادية.
إن الخدمة المدنية ليست ملكاً للأفراد أو الوزارات، وإنما هي ملك للدولة والشعب، والوظيفة العامة فيها حق يقوم على المنافسة والكفاءة والإجراءات القانونية، وليس على العلاقات أو التوصيات أو المحاباة.
ومن هنا تأتي دعوتنا إلى السيد رئيس مجلس الوزراء لفتح ملف مفوضية الاختيار للخدمة المدنية، باعتبارها واحدة من أهم حلقات حماية الخدمة العامة من التسييس والمحاباة والتجاوز.
أولاً: مراجعة شاملة للتعيينات التي تمت خلال السنوات السابقة
نقترح إصدار قرار واضح بمراجعة جميع التعيينات التي تمت خلال السنوات الماضية، وبصفة خاصة التعيينات التي تمت في وظائف الخبرات والوظائف القيادية.
ولا ينبغي أن تكون المراجعة شكلية، وإنما يجب أن تبدأ من أصل العملية:
هل كانت الوظيفة معلنة؟
هل تم فتح باب التقديم لجميع المستوفين للشروط؟
هل أجريت الامتحانات وفق الإجراءات المعتمدة؟
هل كانت الامتحانات إلكترونية؟ وكيف تم ضبطها؟
كم بلغ عدد المتقدمين؟
كم عدد الناجحين؟
ما ترتيب الناجحين؟
كيف تم احتساب درجات المعاينات؟
وهل تم اختيار الأعلى استحقاقاً وفق المعايير المعلنة؟
وهل صدر قرار الاختيار من الجهة المختصة؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات لأحد، وإنما هي أسئلة رقابية مشروعة يجب أن تطرحها الدولة عندما تريد بناء خدمة مدنية سليمة.
ثانياً: لا تعيين بلا قرار اختيار
من أهم الملفات التي تحتاج إلى مراجعة دقيقة: وجود موظفين يشغلون وظائف عامة دون قرارات اختيار صادرة من مفوضية الاختيار أو الجهة المختصة قانوناً.
وعليه نقترح مراجعة ملفات جميع العاملين، والتأكد من وجود:
قرار الاختيار + الوظيفة + الدرجة + المؤهل + شروط التعيين + تاريخ التعيين + جهة التعيين.
كما يجب مراجعة أي حالات تم فيها تجاوز المسار الطبيعي للتعيين، ومعرفة السند القانوني الذي استند إليه كل تجاوز إن وجد.
ثالثاً: مراجعة خطابات الإلحاق والانتداب
من الملفات التي تستحق التدقيق كذلك خطابات الإلحاق والانتداب.
فليس كل خطاب إلحاق دليلاً بذاته على سلامة الوضع الوظيفي، وإنما يجب مقارنته بالنتائج الفعلية وبالاحتياج الحقيقي للمؤسسة.
لذلك نقترح إنشاء سجل مركزي لكل خطابات الإلحاق والانتداب، تتم مطابقته مع:
الوظائف المعتمدة.
الدرجات الوظيفية.
قوائم المتقدمين.
نتائج المنافسة.
الاحتياجات الفعلية للمؤسسات.
مدد الإلحاق والانتداب.
أسباب استمرار الإلحاق إن تجاوز المدة القانونية.
رابعاً: ملف مفوضية الاختيار يحتاج إلى تحقيق مؤسسي
توجد، وفق المعلومات والملاحظات الواردة إلينا، مجموعة من الوقائع المتعلقة بتعيين وتكليف الأمين العام لمفوضية الاختيار للخدمة المدنية القومية، الأستاذ معتصم هجو، تستوجب - إذا ثبتت صحتها - مراجعة قانونية وإدارية مستقلة.
وتتعلق الملاحظات المطروحة بمساره الوظيفي، وتدرجه في الدرجات، وكيفية تكليفه بأمانة المفوضية، ثم تعيينه أميناً عاماً لها، ومدى مراعاة الأقدمية والكفاءة والإجراءات المنظمة لشغل هذا المنصب.
وهنا نؤكد أن الغرض ليس إصدار حكم على شخص بعينه، وإنما التأكد من سلامة الإجراءات التي أدت إلى شغل وظيفة بهذه الحساسية.
فالمنصب الذي يدير الجهة المسؤولة عن الاختيار للخدمة المدنية يجب أن يكون نموذجاً للشفافية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
خامساً: التحقيق في مسار الدرجات والترقيات
من أكثر الأسئلة حساسية التي تستحق الإجابة:
كيف تتم معالجة الدرجات الوظيفية؟
إذا كان الموظف قد عُيّن في درجة محددة، ثم انتقل خلال فترة قصيرة إلى درجات أعلى، فيجب أن تكون كل قفزة وظيفية موثقة قانوناً.
ولهذا نقترح مراجعة:
تاريخ التعيين.
الدرجة عند التعيين.
تاريخ كل ترقية.
الأساس القانوني لكل ترقية.
قرارات الترقية.
أقدمية الموظف.
كشوف الترقيات.
ترتيب الموظفين المستحقين للترقية.
وأي قرارات استثنائية تمت لصالح موظف دون غيره.
فالعدالة الوظيفية لا تعني منع الموظف من الترقي، وإنما تعني أن يترقى وفق قواعد واحدة تنطبق على الجميع.
سادساً: لا بد من مراجعة قرارات الاختيار الفردية
إن مراجعة مفوضية الاختيار لا ينبغي أن تتوقف عند موظفي المفوضية أنفسهم.
بل نقترح مراجعة كل خطابات وقرارات الاختيار الفردية التي صدرت للمؤسسات الحكومية خلال الفترة محل المراجعة.
ويجب أن يكون لكل قرار اختيار ملف إلكتروني موحد يحتوي على كامل الدورة الإجرائية:
الإعلان → التقديم → الفرز → الامتحان → النتيجة → المعاينة → الترتيب → الاختيار → قرار التعيين.
وبذلك نستطيع لأول مرة بناء قاعدة بيانات حقيقية للخدمة المدنية، تمنع العبث بالملفات وتغلق أبواب التدخلات الشخصية.
سابعاً: من اختير خلال الحرب؟ وعلى أي أساس؟
وهناك سؤال مهم للغاية يتعلق بالتعيينات والاختيارات التي تمت في بورتسودان خلال فترة الحرب.
ففي ظروف الحرب، ومع انتقال مؤسسات الدولة إلى العاصمة المؤقتة ومراكز أخرى، حدثت بالضرورة عمليات تعيين وإلحاق وانتداب واختيار لسد الاحتياجات العاجلة.
لكن الضرورة لا تعني إسقاط القانون.
لذلك يجب مراجعة هذه الاختيارات والإجابة بوضوح:
هل تمت وفق الدرجات الوظيفية والأقدمية والكفاءة والاحتياج؟ أم وفق معايير أخرى؟
وهل كانت هناك قوائم انتظار لموظفين مستحقين تم تجاوزهم؟
وهل تم الإعلان عن الوظائف التي كان الإعلان عنها واجباً؟
وهل استفاد بعض الأشخاص من ظروف الحرب للحصول على مواقع وظيفية لم يكن بإمكانهم الحصول عليها في الظروف الطبيعية؟
هذه الأسئلة يجب ألا تخيف أحداً؛ لأن المؤسسة القوية هي التي تستطيع مراجعة نفسها بشفافية.
ثامناً: مراجعة "الحساب 19" بمفوضية الاختيار
من الملفات التي وردت ضمن المطالب كذلك ضرورة مراجعة ما يعرف بـ الحساب رقم (19) الخاص بالمفوضية.
وهنا لا يجوز إطلاق أي اتهام مالي دون مستندات وتحقيق.
لكن من حق الدولة أن تعرف:
حجم الأموال التي دخلت الحساب.
مصادرها.
الأساس القانوني لتحصيلها.
الجهات التي قامت بالصرف.
أوجه الصرف.
المستندات المؤيدة.
الجهات المستفيدة.
ومدى خضوع الحساب للمراجعة المالية والقانونية.
إن المراجعة المالية ليست اتهاماً، بل هي أحد أهم أدوات حماية الموظف والمؤسسة والدولة معاً.
تاسعاً: تضارب المصالح والتعيينات دون منافسة
إذا ثبت أن أي مسؤول قام بتعيين أقارب أو ذوي صلة به دون إعلان أو امتحان أو منافسة، فإن الأمر لا ينبغي أن يعالج باعتباره مجرد مخالفة إدارية عابرة.
بل يجب أن يخضع لقواعد تضارب المصالح والشفافية وتكافؤ الفرص.
والمبدأ بسيط:
لا قريب لمسؤول فوق القانون، ولا ابن مسؤول فوق المنافسة، ولا موظف فوق قواعد الاختيار.
وفي المقابل، لا يجوز اتهام أي شخص بالمحاباة لمجرد وجود صلة قرابة؛ وإنما يجب إثبات أن إجراءات التعيين خالفت القواعد أو استغلت السلطة أو تجاوزت المنافسة.
عاشراً: المطلوب لجنة مراجعة مستقلة
نقترح على السيد رئيس الوزراء تشكيل لجنة وطنية مستقلة لمراجعة إجراءات الخدمة المدنية والاختيار، تضم ممثلين من:
مجلس الوزراء.
الجهات المختصة بالخدمة المدنية.
وزارة العدل.
المراجع العام.
الأجهزة الرقابية ذات الصلة.
خبراء الإدارة العامة.
وخبراء نظم المعلومات والتحول الرقمي.
وتعمل اللجنة وفق منهج واضح، وليس وفق تصفية حسابات أو استهداف أشخاص.
الحادي عشر: الرقمنة هي الحل
إذا كانت الدولة تريد إنهاء الوساطة والسمسرة والتدخلات، فإن الحل ليس فقط في اللجان، وإنما في رقمنة الخدمة المدنية بالكامل.
نريد ملفاً إلكترونياً لكل موظف يبدأ من لحظة التقديم وحتى نهاية الخدمة.
ونريد نظاماً إلكترونياً يستطيع أن يجيب في ثوانٍ عن:
من تقدم؟ من نجح؟ من حصل على أعلى درجة؟ من تمت معاينته؟ من تم اختياره؟ من صدر له القرار؟ ومن تمت ترقيته؟
وعندما تصبح هذه البيانات إلكترونية ومؤمنة وغير قابلة للتعديل إلا بصلاحيات موثقة، فإن أبواب التلاعب تضيق بصورة كبيرة.
رسالة إلى رئيس الوزراء
السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس،
إن إيقاف التعيينات والتنقلات والترقيات خطوة يمكن أن تكون مدخلاً لإصلاح حقيقي، ولكن الإصلاح لا يكتمل بإيقاف الجديد فقط.
المطلوب أن نراجع القديم أيضاً.
لا نريد أن تتحول المراجعة إلى حملة تصفية حسابات، ولا إلى انتقام من موظفين، ولا إلى تعطيل للدولة.
بل نريدها مراجعة قانونية عادلة تحفظ حق الموظف المستحق، وتكشف التجاوز إن وجد، وتعيد الوظيفة العامة إلى مسارها الصحيح.
نريد أن يكون معيار الدولة:
الكفاءة قبل الواسطة،
القانون قبل العلاقة،
الاستحقاق قبل التوصية،
المؤسسة قبل الفرد،
والوطن فوق كل اعتبار.
إن السودان الذي نريد بناءه بعد الحرب لا يمكن أن يبنى بعقلية الماضي.
ولا يمكن أن نستعيد هيبة الدولة بينما يشعر موظف مستحق أن حقه ضاع بسبب علاقة، أو توصية، أو قرار غير مؤسس، أو منافسة لم تكن عادلة.
لذلك فإن دعوتنا للسيد رئيس الوزراء ليست لمعاقبة أحد، وإنما لإقامة ميزان واحد يقف أمامه الجميع.
فإذا كان الموظف قد وصل إلى موقعه بالحق، فليثبت ذلك الملف، وإذا كان القرار سليماً فليحمِه القانون، وإذا وجد تجاوز فلتصححه الدولة.
وهنا تبدأ الدولة الحقيقية.

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

السابق محجوب أبوالقاسم يكتب مركز المقرن.. الحل...