الرئيسية / مقالات رأي / ياسر محمد محمود البشر يكتب ::::::::::...
مقالات رأي

ياسر محمد محمود البشر يكتب :::::::::::::::::::::::::::::::::::::: *والـــــى الخــــرطوم* *السـواقة بالخـلاء والدقـداق*

*لم تفق العاصمة السودانية بعد من هول الصدمة التى خلفتها حرب دمرت البنى التحتية وأحالت الأحياء والمناطق  إلى ركام ورغم ذلك ما زالت الخطط الحكومية تتأرجح بين الأمل والواقع المرير وحين تطالعنا الأخب...

ياسر محمد محمود البشر يكتب

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

      *والـــــى الخــــرطوم* 

*السـواقة بالخـلاء والدقـداق*
2026-10-18 5 دقائق قراءة 9 مشاهدة

*لم تفق العاصمة السودانية بعد من هول الصدمة التى خلفتها حرب دمرت البنى التحتية وأحالت الأحياء والمناطق  إلى ركام ورغم ذلك ما زالت الخطط الحكومية تتأرجح بين الأمل والواقع المرير وحين تطالعنا الأخبار بأن والى ولاية الخرطوم أحمد عثمان حمزة قد التقى بشعبة المستوردين والغرفة التجارية بسوق ليبيا لبحث إنشاء ما يسمى مدينة الأمل فإننا نقف أمام مفارقة عجيبة تكشف بجلاء أن الإدارة الحاكمة للولاية لا تزال تعيش بعقلية ما قبل الحرب ولم تستوعب مطلقاً دروسها القاسية حيث يقوم مشروع مدينة الأمل المزعوم على استهداف إنشاء نحو خمسمائة مصنع لإنتاج الملبوسات الجاهزة والأحذية والشنط إلى جانب مراكز للتدريب المهنى مع وعود برّاقة بتوفير أكثر من ثلاثين ألف فرصة عمل جديدة وعلى الورق تبدو الأرقام جذابة ومغريَة لأي مسؤول يحاول تسويق إنجازات وهمية ولكن عند إخضاع الفكرة للمجهر الواقعى والتخطيط الاستراتيجى تتبخر هذه الأرقام لتكشف عن عمق الأزمة الإدارية والفكرية التى تعانى منها حكومة ولاية الخرطوم*.

*إن ما يمارسه والى الخرطوم مع تجار سوق ليبيا لا يعدو كونه عملية (السواقة بالخلاء والدقداق) وهى سياسة تخدير للمجتمع التجارى بوعود غير قابلة للتحقق في ظل بيئة منهارة فالحوار مع الغرفة التجارية حول توطين مئات المصانع داخل العاصمة ليس سوى حرث فى الماء بل هو أشبه بـ(بندق في بحر) حيث لا توجد مقومات أساسية للطاقة ولا شبكات مياه ولا طرق سالكة ولا استقرار أمنى أو خدمى يسمح بقيام صرح صناعى ضخم بهذا الحجم إن الخرطوم اليوم أصبحت أشبه بـ (خرابة) واسعة والسبب الرئيس وراء تردي بيئتها الحضرية تاريخياً كان وما زال هو التكدس المرعب للأنشطة الصناعية والتجارية والإدارية في مساحة جغرافية ضيقة لقد أثبتت سنوات ما قبل الحرب أن حشر المصانع والأسواق الكبرى وسط المناطق السكنية يُمثل قنبلة موقوتة بيئياً ومرورياً واجتماعياً وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمات واختناق المدينة ويبدو جلياً أن المسؤولين في ولاية الخرطوم لم يستوعبوا الدرس الأهم الذى سطرته الحرب بدموع ومآسى المواطنين وهو وجوب اللامركزية وتفكيك التركز المفرط للأنشطة في العاصمة القومية فحين يُعاد طرح مشاريع تكدس العمالة والإنتاج فى قلب ولاية منكوبة ومدمرة فهذا يدل على إصرار غريب على تكرار ذات الأخطاء التاريخية التي قادت البلاد إلى هذه الخاتمة المأساوية*.

*بعيداً عن الأوهام الإدارية فإن الحقيقة الماثلة تؤكد أن الخرطوم الحالية لا تستوعب قيام مصنع واحد إضافى فكيف بمجمع صناعي يضم خمسمائة منشأة إنتاجية إن البنية التحتية من كهرباء ومياه وصرف صحى وشبكات طرق قد انهارت تماماً وأى محاولة لإعادة توطين الصناعات الثقيلة أو المتوسطة داخل حدود الولاية فى هذا التوقيت هى جريمة بحق التخطيط العمرانى وبحق المستثمرين أنفسهم ويكون الحل المنطقى والرشيد يتمثل في توجيه هذه المصانع نحو ولايات السودان المختلفة ومناطق الإنتاج الزراعى والحيوانى والمعدنى فالسودان يمتلك مساحات شاسعة ومقومات هائلة فى الولايات الأخرى حيث تكون تكلفة الإنتاج أقل وحيث تتوفر المواد الخام بالقرب من مصادرها مما يحقق تنمية متوازنة ويخفف الضغط الكارثي عن العاصمة*.

*يبرز هنا تساؤول مشروع حول الأسباب التى تدفع الإدارة المحلية للتشبث بفرض الأنشطة الاقتصادية داخل الخرطوم رغم دمارها الكامل هل هى رغبة في تحقيق مكاسب إعلامية سريعة أمام الرأى العام أم هو قصور في الرؤية الإستراتيجية وغياب للبدائل الحقيقية أياً كانت الدوافع فإن الاستمرار فى هذه السياسات يعكس قطيعة تامة مع متطلبات مرحلة إعادة الإعمار والبناء الوطني الحديث مع الوضع فى الإعتبار تواصل الحوارات الفوقية مع تجار سوق ليبيا يضر بالقطاع التجارى نفسه إذ يغذى آمالاً زائفة لدى المستوردين ورجال الأعمال بدلاً من مصارحتهم بالحقائق الميدانية كان الأجدر بالحكومة الولائية توجيه طاقات وجهود الغرفة التجارية نحو المساهمة في إحياء سلاسل الإمداد وتأمين السلع الأساسية وتصدير الفوائض بدلاً من إغراقهم في مشاريع خيالية على ورق لا يغنى ولا يسمن من جوع*.

*السودان بحاجة ماسة اليوم إلى ثورة تصحيحية في التخطيط الاقتصادى والعمرانى ترتكز على العدالة وتوزيع الثروة والسكان لا على ترقيع الأخطاء القديمة فى عاصمة أنهكتها الحرب إن مشروع مدينة الأمل بنسخته الحالية ليس سوى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء وما لم تتخلى ولاية الخرطوم عن عقلية ما قبل الحرب وتتبنى رؤية علمية متكاملة فإن خططها المستقبلية ستظل مجرد صرخات فى وادٍ وعمليات (سواقة بالخلاء) بلا مآل*.

yassir.mahmoud71@gmail.com

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

السابق ويبقى الود حكومة الألم الهوان تتفرج على طو...